حصل الصدق في المقامين جاء منهما مباعدة الشهوات ومجانبة اللذات ، والقيام
بخدمة من له الدنيا والآخرة ، وهؤلاء هم بنو اللذات حقا عيشهم سليم وغناهم في
قلوبهم مقيم ، كانهم نظروا بأبصارهم إلى حجب الغيوب فقطعوا لله كل مراد لهم
ومحبوب ، وكان اللَّه - جلَّ جلالُه - هو المنى والمطلوب ليست تلحقهم فترة في نية ولا وهن
في عزم ولا ضعف عن حزم ، ولا تأويل في رخصة ولا ميل إلى داعي غرة ، فهذا
هو المراد بوصف المحبة ، فاعلم ذلك ، ومن سلك هذا السبيل فقد اتبع أحسن ما
أنزل إليه من ربه وأناب إلى ربه وأسلم له وخشيه بالغيب ، وخات عذابه ورجا
موعوده ، منَّ الله علينا بذلك إنه ولي ذلك والقادر عليه ، لا إله غيره ولا مرجو سواه .
أتبع ذلك قوله - جل من قائل: (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي
جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56) . هذا في مقابلة قوله:(قُلْ يَا عِبَادِيَ
الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ . . . ).
يقول - جل من قائل: سارعوا بالتوبة والإقلاع(وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى
التَّهْلُكَةِ)بالقنوط فتظنون أنِّي يتعاظمني ذنب أغفره لمن أناب إليَّ
فإني أنا الغفور الرحيم .
ثم قال - عز من قائل - حكاية عن العبد: (لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ(57)
هذا في مقابلة قوله لهم: (وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ
أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (54) . فيقولون فيما هنالك حين يلومون
أنفسهم ويلعنونها وتلعنهم ، فيجعلون آخر دعواهم: لو أن الله هدانا لكنا من المتقين .
ثم قال - عز وجل -: (أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ(58)
هذا في مقابله قوله في دعائه إياهم: (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ
رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (55) .
(بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ(59)