قوله تعالى: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ(14) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ).
الصلصال هنا هو: الفخار المصوت حين يمس ، سمي
صلصلًا لصوته ، أي: لصلصلته ، والصلصال أيضًا: المنتن ، من قولهم: صل اللحم
إذا أنتن .
قال الله - عز من قائل: (إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ(28)
المسنون: المتغير ، وإذا تغير الحمأ سن به سنن الخلقة .
(وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ(15) . والمارج: المختلط ، واختلاط
النار هنا هو: اختلاطها ببرد الزمهرير الموجود فيما هَاهُنَا عن فيح جهنم .
وقال في موضع آخر: (وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ) أي: من قبل خلق آدم - عليه السَّلامُ -
(مِنْ نَارِ السَّمُومِ) ولكل فيح جهنم - أعاذنا الله برحمته منها -
سموم ، ولما خلق آدم من تراب هذه الأرض خلق الجان من فيح جهنم فيما هَاهُنَا
أسكنهما في حيث خلقهما منه ، فأخبر - جلَّ جلالُه - عن أصل خلقتهما .
أما الإنسان: فخلقه من التراب الأرضي ممن ، وجاء بالماء صار طينًا لازبًا ،
والأرض أمّه والماء أبوه ، ثم سلط عليه الهواء الحامل لحر فيح جهنم وبرده ، فمن
التراب جسده ونفسه ، ومن الماء روحه وعقله ، وعن النار غوايته وحدته ، ومن الهواء
حركته وتقلبه في محامده ومذامه ، لحمل الهواء الفتح والفيح معًا ، وعن إثارة النار
والبرد فيه شيطانه الذي هو قرينه ، كما عن إثارة الماء فيه ملكيته المقارن له ، ثم عن
نفخ الملك فيه الروح ، فعجب الله - جلَّ جلالُه - ونبه على حكمته وعظيم قدرته أن خلق
الإنسان من تراب وماء ، ثم سواه حتى بلغه إلى أن يكون خصيمًا مبينًا أو وليًّا لله -
جلَّ ذكره - قريبًا يعلمه القرآن ويرزقه البيان ، كذلك في خلقه الجان .
ثم قال لهما ؛ أعني: الثقلين الجن والإنس: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ(16)
أبالعبودية اللازمة لكما لرب واحد أحد قاهر قادر لا يعجزه شيء ،
ولا يفوته في السماوات ولا في الأرض أمر ؟ أم بالدار الآخرة وعنها خلقتكما ومنها
نعشتكما وفيما هي من صروفها صرفتكما ؟ أم بالبعث والإحياء لكما بعد الموت ؟ أم
بالجزاء حال الموت وبعد الإحياء لكم فيما هنالك بالإحياء تارة أخرى لكم في
الدار الآخرة التي عنها خلقتكما ، كما في هذه كونتكما فأحييتكما في هذه