عَظِيمٌ (76)
يقول: ومما تحقق أن أنشأناه أننا (لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا ...(65) . فإن المعهود أنه
من اقتدر على شيء وأن من كماله أن يدفع عنه آفاته ليخلص عمله ، فإن كنتم أنتم
زرعتموه هلا دفعتم عنه آفة اليبس حتى تتمونه ذلك ؟ .
قوله - جل من قائل: (لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ(65)
قرا أبو حيوة:"فظِلتم"بكسر الظاء ، وقرأ حمد بن موسى ؛"فظللتم"بلامين ، وقرأ
عبد الله:"فظلتم تفكنون"وهي لغة عكل في التندم في الوجهين جميعًا يتعجبون ،
الفكه هو: المتردد في القول الذاهب فيه كل مذهب .
من ذلك قولهم تارة: (إِنَّا لَمُغْرَمُونَ(66) . وتارة: (بَلْ نَحْنُ
مَحْرُومُونَ (67) . وقوله في أهل الجنة: (فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ)
معجبون مغتبطون ، آخدون منه ما شاءوا كيف شاءوا ، والفكه أيضًا:
النادم ، فظلتم تندمون ، أي: على أعمال أوجبت ذلك ، كقوله:(فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ
حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ)يحرض بالمن والإفضال
ويعدد أنعامه في ذلك .
قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ(68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (69) .
يعرض بخلقه إياهم من الماء كما تقدم من تعريضه
بخلقه إياهم من التراب ومن المني المجموع فيه الأصول كلها ، ومضاف إلى ذلك
الحيوان أبوه وأمه ، والحيوان هي الدار الآخرة (وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ
كَانُوا يَعْلَمُونَ (64) . ولذلك كان ما يكون عنه هو الحيوان والإحياء
والجنات على أنواعها .
ثم قال - عز من قائل: (لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا ...(70) . الأجاج: الملح
الزعاق ، فكان لا ينبت نباتًا ينفع ولا يشفي غلة عاطش ، وبوجه آخر: وهو أن الله - جلَّ جلالُه -
يرسل الرياح لواقح فتلقح السحاب في الجو ، ثم ينزله إلى الأرض والأجواء قد
امتلأت والأرض من فيح جهنم - أعاذنا الله منها برحمته - ومنبعث الأجاج صفات
جهنم ، كما منبعث الزلال العذب صفات الجنة ، فكان أقرب إلى الماء المنزل إلى