القرب ، وقد سمى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كثيرًا منها:"فواسق [....] وإنها من الشياطين"
ونحو هذا ، وأما الإنسان فعنده انتهى حقيقة السجود بالإضافة إلى ما تحته من
العوالم ، لظهور معاني الفطرة فيه بإسلام الوجهة ، وتحقيق النية على سنن الشرعة ،
واتصل الذكر منه بالعمل لمن آمن به وأسلم له: وليس السجود الذي تقدم ذكره قبل
هذا المقام الذي هو مقام الإنسان لمن اقتصر عليه من المتلقين بنافعه عند الله جل
ذكره ، ولا بمنجيه من عذابه .
قال الله - جلَّ جلالُه -:(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ
وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ)إلى قوله: (وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) يعني: المؤمنين .
ثُمَّ قال: (وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ) من لم يسجد هذا السجود
المقترن بالعلم والإيمان والإسلام ، وحسن الاقتداء بالرسل - عليهم السلام - ثم
يتفاضل هذا السجود بتفاضل الإيمان وتحقيق الإسلام ، وتحسين الاقتداء وتحقيق
المشاهدة والإخلاص والعلم واليقين والطهارة ، وتسديد النية وتعظيم المعبود
والإجلال له والخوف منه ، والإعظام والمحبة والرضا إلى غير ذلك من جلي
الإسلام وحقائق الإيمان ، ثم سجود الملائكة أرفع مما تقدم ؛ لتحققهم في هذه
المعاني ودؤوبهم وكدهم .
قال الله - عز وجل -: (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ(20) . فوصفهم
بالإخلاص والخوف والطاعة له في قوله: (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا
يُؤْمَرُونَ (50) . وهم لا محالة يعلمون ما يفعلون ، لبعدهم عن الغفلة .
قوله - عز وجل -: (وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ ...(51) . من اتخذ إلهين
أو أكثر فلم يعبد الله ولم يسجد له ولم يأتمر ، والله لا يدخل في عبادة مع شريك ولا
في عدد ، بل هو الواحد الأحد (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) .
يقول عز من قائل: (فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) هنا محذوف تقديره: