وإلى هذا وما هو في معناه وما يتبعه الإشارة بقوله: (لَوْ كَانُوا
يَعْلَمُونَ (41) .
أتبع ذلك قوله الحق: (إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ ...(42)
وصف نفسه - جلَّ جلالُه - بالعلم في مقابلة وصف أولئك بالوهن والموت
وعدم الحياة والقدرة على جلب نفع أو دفع ضر .
ثم قال: (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) وصف نفسه - جلَّ جلالُه - وتعالى
علاوه وشأنه - بالعزة والمنعة والقدرة والحكمة والأحكام ، في مقابلة وصف أولئك
بعدم ذلك كله ، سبحانه وله الحمد ، يقول - جل قوله وتعالى علاؤه: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ
نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (43) . جعلنا الله ممن علمه من
علمه وأجزل حظه ومعرفته وأحسن عونه على ذكره وشكره وحسن عبادته .
قوله - جلَّ جلالُه -: (خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ(44)
لما شبه ما اتخذوه من دونه من أولياء بالعنكبوت ، وشبه ما
يتمتعون به في الدنيا من مواصلة وتناصر ليست إليهم عواقبها ، ولا إتمام ما يريدون
منها وبها ، إنما حقيقتها من حيث هم كسب منهم حقيقة ذلك ، وإتمامه إلى الله العلي
الكبير ، فشبه ما يتمتعون به من ذلك بصنع العنكبوت بيتها وبوهنه .
ذكر في مقابلة ذلك خلقه السماوات والأرض وما بينهما بالحق ، لعظيم خطر
ذلك وكريم خلقته وتحقيق حكمته ، وأن يعرف ذلك برفع المؤمنين إلى أعلى
درجاتهم ، ويبوئنهم كريم مآبهم في الدار الآخرة ، ليس كذلك بيت العنكبوت في
وهنه ، وسرعة خرابه وعجزه عن المنعة عن الخراب ، ومصنوع العنكبوت شبيه بها
في العجز والوهن ، ليس كذلك خلق الله - جل ذكره - السماوات والأرض ، فإنه
الحى العزيز الحكيم ، ذو الأسماء الحسنى والصفات الكاملة الفائقة العلا خلقها
بالحق (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ(44) .
(هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ) ولما في وصف
بيت العنكبوت من وصف حقيقته أنه يخرج غزلًا من دبرها ، فتتخذ منه بيتًا تمتنع به ،
زعمت من محذورها وفي المتخذين آلهتهم بأهوائهم وصنع أيديهم ، تنزه - جل
ذكره - عن ذكر حقيقته ، وأعرض عن تبيانه ، وعبر عنه بقوله: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ