ثم سرد عليهم قوله الحق جلَّ قوله: (إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ...(22)
فبين انتظام هذا بما تقدم يقول - عز وجل -: (إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) ذو الأسماء الحسنى والصفات
الكاملة العلي الواحد الأحد بكل وجه وبكل معنى كما قال: (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا(65)
أتبع ذلك قوله الحق: (فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ) أي:
للتوحيد والتصديق بالآخرة (وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ) عن التدبر به .
أتبع نظم ذلك قوله: (لَا جَرَمَ ...(23) . معناها هَاهُنَا: لا بد ولا محالة(أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ
مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ)أي: من إنكارهم الحق إذا ما دعوا إليه
تهديد منه ووعيد .
ثم سرد عليهم ما هو في معناه قوله جلَّ قوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ...(24) . أي: وإذا
سألهم الأتباعِ (مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ(24) لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ
الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ... (25) . هنا محذوف مقدر
تقديره: أي قيضناهم لهذا القول ، وأضللناهم عن الهدى ؛ ليحملوا أوزارهم .
قوله تعالى: (قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ ...(26)
من فعل فعل ليس بصالح في اختفاء من الممكور عليه فقد مكر ، ولما
كان المستكبر عن قبول الحق مزدريًا بالرسل مستهزئًا بما جاءوا به من عند الله ،
وكان ذلك عن كبر في صدره ورفعه منزلة زعم أنها له دون من بذل له النصيحة
عن الله جل ذكره استتبع الأتباع وكايد الرسل ، وربما دعا إلى نفسه أتاه الله بالعذاب
من حيث لا يشعر ، وأخذه من أين لم يحتسب ، فشبه الله بنية هذا الكافر هذا البناء
وأخذه إياه هذا الأخذ بما ضربه مثلًا له .
ووجه آخر: وهو أنه قد خسف بكثير من العتاة ، لتكبرهم كقوم لوط وقارون ،
وقد أغرق فرعون وجنوده في البحر ، فكان أخذه لها وإتيانه إياهم بالعذاب من
تحت أرجلهم ، وقوض عليهم ما بنوا لهم يتحصنون به وأحاط بهم من بناء ، وأقبل
سقوفهم عليهم .
وقرأها الضحاك:"فأتى الله بيوتهم من القواعد"يريد والله أعلم: بما بنوه
لأنفسهم من مكر في قلوبهم من رتب ومنازل مرفعة عن إقدار من سواهم ، ومطالبة
وإرصاد لهم وتربص ، وإرادة الإيقاع بهم ونحو هذا .