يا رسول المليك إن لساني ... راتق ما فتقت إذ أنا بور
ولما فتح مكة واستدعى مفاتح الكعبة وأخرجت الأصنام منها ثلاثمائة وستون
نُصبًا وفيها صورة إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام وفي أيديهما الأزلام ، قال:
"قاتلهم الله لقد علموا أنهما لم يستقسما بها يومًا قط"ثم وقف بباب الكعبة -
صلوات الله وسلامه عليه - وقد جمعت قريش له كبراؤها وصغارها ، فقال لهم
بأعلى صوته:"ما تروني صانعًا بكم ؟"قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم ، فقال لهم:
"اذهبوا فأنتم الطلقاء"وأسلم من حضر ورجع إليه من فرَّ عنه وتبين لهم أنه الحق
هذا وعده الحق وصدق كلمته الصدق والحمد لله رب العالمين .
نظم بذلك قوله الحق: (أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(53) . لما
تهددهم بقوله: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ)
يعني: الرسول والقرآن .
يقول - جل من قائل: (أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ) أي: يعلم ربك يقينًا بما أخبر
وشاهده عدل وصدق بما تقدم كونه وبما هو مستقبل مما هو كائن ، فهو يعد على
ذلك ويوعد من مرغوب ومرهوب كشف عن ذلك بقوله: (أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ
لِقَاءِ رَبِّهِمْ ... (54) . هذا أعظم المرغوب وله ما بعده (أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ)
هذا المرهوب .
وينتظم أيضًا قوله هذا: (أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(53)
بمعنى قوله الحق (وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ(19)
حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ) وهنا محذوف جحدوا
وأنكروا أعمالهم ، وأنهم كانوا كافرين فيشهد عليهم (سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ
بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا). المعنى
إلى آخره حتى أن الشقي ليقول: بُعدًا لكم وسُحقًا فعنكن كنت أناضل .
قال الله - عز من قائل: (أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(53)