تتميمًا لقول الجوارح:(وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ
وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ)إلى آخر قولها:(أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ
لِقَاءِ رَبِّهِمْ)تتميمًا لقول الجوارح: (وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ
تُرْجَعُونَ (21) . نظم به لعلمه بأنه كائن لا ريب فيه ، هذا يوعد ويعد وينبئ
فيكون ذلك في المستقبل على أحيانه مخرجًا في التقدير على مقادير آياته ، فقد كان
ما قدمنا ذكره وما لم نذكر أكثر أضعافًا مما ذكرناه ، ثم ما كان بعده من آياته في
الآفاق وفي أنفسهم من فتحه المشارق والمغارب ونواحي الآفاق ، وفي مطلع
الشمس ومغربها والقبول والجنوب ، ودخول الناس في الدين أفواجًا ، واستسلام
الأجناس لدين الإسلام لما تبين لهم أنه الحق ، ثم نحن الآن من ذلك في منتظر
لتتميم الدين كله ولو كره الكافرون .
فقوله: (أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(53) . خطاب
لرسوله - صلى الله عليه وسلم - ولأفراد أمته الغابرين الذين يرون آياته هذه في الآفاق وفي أنفسهم
ويين لهم بذلك أنه الحق (رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ
الشَّاهِدِينَ (53) . فمن أيقن من المؤمنين بأن الله على كل شيء شهيد
فحسبه مشاهدة ربه إياه ، ومن بُغي عليه لينصرنه الله ، وليكتف العبد بربه وليتوكل
عليه وليكفه علمه به ؛ إذ بلغه إلى معرفته حسبه ذلك منه حتى يأتي الله بأمره ، فهذا
زائد إلى ما تقدم ذكره تأنيس للمؤمنين منه بمشاهدته إياهم ؛ وهو وعيد في جنبة
الكافرين ، كما قال لموسى وهارون عليهما السلام: (لَا تَخَافَا) أي: غيري(إِنَّنِي
مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى).
كذلك اسم المحيط وعد للمؤمنين بالفتح والنصر ، وإعلام لهم بأن ربهم - جلَّ جلالُه -
وتعالى علاؤه وشأنه وسع كل شيء قدرة وعلمًا ومشيئة ، وهو أيضًا وعيد للكافرين
يعلم بذلك أن هربهم منه إليه وطريقهم وحسابهم عليه ، والمرية: من التماري الذي
هو الشك وهذا الشك وقع بالكافرين في لقائه (أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ(54)
(قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ) نسأل الله البر الرحيم
إيمانًا صادقًا ، ويقينًا تامًّا ، وزادًا مبلغًا إليه ، ورضًا ورضوانًا منه ، إنه حليم كريم .