قوله تعالى: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ ...(26)
إلى آخر الآيتين ، ظاهر تلاوة هاتين الآيتين إقرار وإيمان بما
تضمنتا ، ومشاهدة على ما جاء فيهما من إظهار القدرة وتصريف المشيئة ، ومعناهما:
الدعاء .
ألا ترى إلى قوله جلَّ قوله: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ) أنه دعاء لا محالة
وسؤال بأسماء مقتضية لمعاني المسؤول ، وهو أمر منه - جلَّ جلالُه - لعبده أن يقول من ذلك
ما أمره به من سؤال وتضرع ودعاء ، واستاق - جلَّ جلالُه - ذلك في معرض التلاوة ، فكان
تقديره على معنى الدعاء والسؤال: اللهم أنت مالك الملك تؤتي الملك من تشاء
وتنزع الملك ممن تشاء ، وتعز من تشاء وتذل من تشاء .
إننا - أيتها الأمة - من ملكك ما تملكنا به رقاب أعدائنا ، وتنزع الملك من
أيديهم ، وأعزنا بعزة الإيمان والإسلام ، وأذل لنا رقابهم وحكمنا فيهم ، وأورثنا
ديارهم وأموالهم ، كما تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل ، وتخرج الحي
من الميت وتخرج الميت من الحي ، تُديل هذا على هذا ، وهذا على هذا من غير
عمل بطاعة ، ولا ذنب أذنب هذا سوى إظهار قدرتك وتصريف مشيئتك ، فآتنا ما
نسألك بغير حساب بيدك الخير ، وأنت على كل شي قدير .
وقد كان يحسن على ظاهر الدعاء أن تكون رأس الآية الأخيرة من وصف
القدرة لكنه لما صرف المشيئة في الأولى ظاهرًا وصفها ختم هذه بوصف القدرة ،
ولما صرف القدرة ظاهرًا في الثانية ختم هذه بوصف المشيئة ، وهو العليم الحكيم.
(لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ(28) قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ