(تبيان)
أما الله - جل ذكره - فعنده الغيب (لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا
فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (3) .
ومن شأنه في فعال كرمه وجميل ستره الرحمةُ بعباده ، فحد هذا الحد على ما
هو عليه من التعذير وبعده على المشاهدة ، وأنزل كلامه هذا - جل كلامه وتعالى
علاؤه وشأنه - في قصة ظاهرة بره ، فوسع كلامه العلي الحكم والصدق من جميع
جهاته ، فالذين جاءوا بالإفك في شأن عائشة لم يأتوا على ما قالوه بأربعة شهداء ،
فهم الكاذبون عند اللَّه - جل ذكره - وعند المؤمنين ، وأما في قصة لم يكشف الغيب
ما كشفه في هذه ، وشهد شهود عدل على حد الشهادة في ذلك ، فالحاكم صادق
عند الله - جلَّ ذكره - وعند المؤمنين من حيث عمل بما أمروا ، والشهداء عند الله
على علم الله - جلَّ جلالُه - فيهم من برهم أو كذبهم .
قوله - جلَّ جلالُه - في المنافقين: (كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ...(4) . يقال للعيدان
الضخمة: خشب ، لما أن قطعت من منابتها فارقها روح النبات فهو موات لذلك في
منزلتها من الحياة ، ولما كان المنافقون قد عدموا روح الحياة كانوا لذلك أمواتًا ،
فشبههم بالخشب المسندة إلى حائط أو غير ذلك ، لكون المنافقين قيامًا وقعوذا
وعلى غير ذلك من أحوالهم ، ولخاصة في حكم هذا التشبيه بحالهم في قيامهم قد
عدموا روح الحياة لا توكل عندهم ولا إيمان لالله - جلَّ ذكره ، وبوقايته لأهل
الإيمان فهم لذلك يحسبون كل صيحة عليهم .