ويكون المعنى أيضًا على علم منه بالهدى فأعرض عنه ، وعلم ذلك يتحصل لهم
بالفطرة يريد فعل ذلك به عقوبة لإعراضه عن الهدى بعد إذ جاءه(فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ
بَعْدِ اللَّهِ)إذا كان المرء لا يقدر على هداية نفسه فكيف يهديه غيره
إلا الله لا إله إلا هو ؟! .
(فصل)
ذكر عن عبي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه قال: القدر سر من أسرار الله ، وحجاب من
حجب الله ، مثله كمثل بحر عميق كما بين السماء والأرض ، في قعره شمس تضيء
لا يطلعها إلا المدبر الحكيم ، وإذا كان يوما القيامة كشف عن علم القدر ، فعلم
الخلق (أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) ومن تكلم فيه فقد ضاد الله في ملكه
وكاشفه في سره ، وأن الله سبحانه قد علم في الأزل ما العباد به عاملون ، كما قال:
"هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون وهؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون"
ويكتب للعبد في بطن أمه رزقه وعمله وعمره وشقي أم سعيد"."
وفي هذا أنه لا بد ولا محالة قد سبق علمه العلي بما هم به عاملون لو جعل
المشيئة إليهم ، فكتب علمه في عمل كل واحد منهم بما هو محقه لنفسه ومؤثره إذا
هو أوجده لو كانت المشيئة إليه ، ثم استعمل كلًا بما علم منه من مشيئته التي هو
يشاؤها لو جعل المشيئة إليه فصار كل الخلق محمولًا على ما علمه الله منه أنه
يفعله بمشيئته من نفسه لتفسه وإرادته لذاته مقسورًا عليه لا بد من فعله ولا خروج
له عنه .
قوله تعالى: (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ...(24) .
وفي قراءة عبد الله:"وما يهلكنا إلا دهر"لما لم يقولوها عن علم صحيح
مستقر في قرارة قلوبهم لم تنسبهم إلى العلم ، وإن كانوا قد وافقوا الحق فلم يصوب
مقالهم فقال: (وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ) أي: بالدهر ، والله أعلم(إِنْ هُمْ إِلَّا
يَظُنُّونَ)وإنما عنوا بقولهم الدهر: الزمان ، والدهر هو: الله لا إله