تُوعَدُونَ (22) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (23) .
قوله تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ(15) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ ... (16)
آتاهم في الدنيا الإيمان والعمل بالطاعة وفي الآخرة جزاء
ذلك جوار ربهم .
ومثال نزل أعده لهم قوله - جلَّ جلالُه -: (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ(20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ ... (21)
اكما قال: (وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ(4)
فأما الآيات التي في الأرض فقد تقدم ذكر البعض منها في صدر
الكتاب ، والمشار إليه منها هاهنا على الأكثر هي آلاؤه - جلَّ جلالُه - منها حكمته في الأمم
الماضية من إهلاك من أهلكه منهم ، وإنجاء من أنجاه وأكرمه من أوليائه .
وأما قوله: (وَفِي أَنْفُسِكُمْ) فإنه من نظر في نفسه بإيمان صحيح وعقل
مسترشد عرف نفسه ، يعلم بذلك أنه عبد ، وفي علمه بذلك أن الله له رب وبعلمه
ذلك يعلم أسماءه وصفاته ، ثم بإيمانه ذلك يعلم أنه واحد أحد ، وأنه(لَيْسَ كَمِثْلِهِ
شَيْءٌ)وأن (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)
(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) وهو العلي الكبير ، فافهم فهمنا الله وَإياك ، فقد حصلت على [الجادة]
وجمع لك المقصود في أطراف الكلام .
لذلك ختم بقوله - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه: (أَفَلَا تُبْصِرُونَ)
فإنك لو وقفت بعقلك وصحيح إيمانك على فطره إياك وإخراجك من عدمك إلى
وجودك ، وإنك لم تكن قط عدمًا له إنما كنت عدمًا لنفسك ، بل كان يراك ويسمع
المسموع ويعلم المعلوم منك ، ثم أوجدك فأخذ عليك العهود والمواثيق بعد أن
كتبك في الذكر وهو اللوح المحفوظ ولم ينقلك عن علمه ، ثم كتبك في الكون ،
ولما أخذ ميثاقك وأعطيته عهودك بما أخذه عليك صيرك في خزائن
السماوات والأرض ، ولذلك جعل رزقك فيهما ومرجعك إليهما ، ولذلك كله كانت
فيك إثارة الأسماء والصفات ومعاني الفتح والفيح ، ثم لذلك كان مرجعك إليه -
جل ذكره - ومرجعك إلى أحد المصيرين ، لوجوب وجودك عن إثارتيهما وأنه كان
رزقك في هذه عنهما لهذا وما أكثر وأكبر من هذا ختم القول بقوله: (أَفَلَا