يجوز في وصفه القصر ، هو لا يعجزه شيء ولا يفوته فائت فهو يعيد كما أبدأ .
(الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا ...(10) . جعل ذلك آية منه على أرض
الجنة فجر فيها أنهارها وعونها ، وأنزل من الماء ماء فأخرج منها نباتها وزرعها
وأنواع أشجارها وضروب فواكهها وثمارها ، وجعل عدم ذلك آية على أحوال أهل
النار فيها لا يستقرون على قرار ؛ ولا يعتمدون على معتمد ، ولا تقف أقدامهم أبدًا على
أرض ، لا يذوقون برد الشراب ولا لذة ضجعة أبدًا ، يرسب بهم الغليان ولهب النيران
تارة ويصعد بهم أخرى ، نعوذ بالله من أحوال أهل النار في الدنيا وفي الآخرة وفيما
بين ذلك .
قال: (وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) عدد نعمه في
هاتين ، يقول - عز من قائل: قد كانت لكم آية على وجود إرسال الرسل وإنباء
الأنبياء وجودكم السبل في الأرض هادية لكم إلى مقاصدكم ، لذلك قال وقوله
الحق: (لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) بذلك إلى صحة الرسالة والنبوة .
ثم قال: (وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا ...(11) . الذي جعل
لكم ذلك زائدًا إلى أنعمه العامة لكم دلالة على الوحدانية والرسالة والنبوة ، وحسن
النظر للعباد في كونه بقدر ، وعلى الإحياء بعد الإماتة ، وعلى وجود النشور
والخروج ؛ لذلك قال - عز من قائل: (كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ) .
ثم قال - عز من قائل: (وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا ...(12) . فجعلها أعلامًا باسمه
الفرد واسمه الوتر ثم قال: (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ)