ذكره بأنه كان يتيمًا فآواه وعائلًا فأغناه ، وضالا فهداه ، وبأنه شرح
صدره ولم يشرحه إلا عن ضيق ، ورفع له ذكره بعد ضعف وخمول ، ووضع عنه
وزره بعد أن كان قد أثقل حمله ، فهذان عسران قد جعل الله بعدهما يسرين في دين
ودنيا ذكره به ، وقد قضاه وفرغ منه هبة منه إياه وعطية ، ثم بشره بأن العسر الذي هو
فيه من تخلف الناس عنه وعتوهم عليه سيجعل له من بعده يسرًا ، فقد كان من الفتح
عليه ودخول الناس في دين الله أفواجًا ووفود العرب ترد عليه والناس إليه سراع ،
ثم بعد وفاته إلى حد معلوم قدره الله ، ثم كرر العسر كرة بعد كرة كانت منه فبشره
بأنه سيجعل له - أيضًا من هذا العسر يسرًا ، هكذا أمر الله - جل ذكره - بتدوار دوائر
التقدير عسر بعده يسر ويسر بعده عسر .
يقول الله - جل ثناؤه: (سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) .
وقال: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا) .
ثم قال - عز من قائل: (ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ) فكأنه قال له
جل من قائل: إن مع هذا العسر يسرًا ، إن مع ذلك العسر يسرًا ، وحسبك منه وجودك
إياه برحمتنا إياك كذلك فيما أنبأناك به من ظهور الدين على يديك وإعلاء الكلمة .
نظم بذلك قوله: (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ(7) . يقول: فإذا يسر عليك
أمرك فانصب في عبادة ربك ، وإذا عسر عليك بعض شأنك فـ (إِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ(8) . وإليه
فاضرع ، وذكر النصب مع الفراغ ، وذكر الرغب مفردًا ؛ لأن الميسر عليه يجب عليه
الرغب في التوفيق والهداية واستعمال الشكر ، والمعسر عليه يجب عليه ، الرغب في
الثبات وجميل الصبر وكشف الضر ، والرغب إلى الله شعار العبد على كل حال ،
وهو بساط العبودية .