وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ (47) وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48) بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (49) .
قوله تعالى: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ...(46)
نهى - جل ذكره - عن جدال أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ، وأهل الكتاب
منقسمون إلى قسمين ونحن معهم على حالتين:
إما أن يكونوا محاربين لنا: فهم الذين ظلموا منهم ، فجدالهم يكون الجهاد لهم
والقتال (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ(29) .
وإما أن يكونوا لنا ذمة: فإن جاءونا مسترشدين أرشدناهم إلى الحق ، وإن
جاءونا معاندين مظهرين لدينهم منتقصين لدين الإسلام ، فليس هؤلاء بأهل ذمة ولا
عهد ، فلهم القتل والسبي ، وجدالهم لا يغني شيئًا ، وإن كنا في حال ضعف عن
مقاومتهم لفساد الولاة ، وإيثارهم الدعة والنكوص عن الجهاد والتثبط عنه ، فهذا
موجود عندهم السبّ والأخذ من الرسول والمتبعين له ، فإن جادلناهم أخذنا فيهم
بمثل صنعهم وذلك حرام وكفر ، فلنعدل لهم عن سبيل الجدال إلى حقيقة الإيمان ،
والتمسك بعروة الإسلام وكلمة السواء بيننا وبينهم بأن نقول لهم:(آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ
إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ).
قوله - جلَّ جلالُه -: (وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ ...(47) . إلى قوله:(وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا
الْكَافِرُونَ)لما ذكر أهل الكتاب نظم بذكرهم قوله هذا ؛ أي: كما
أنزلنا على موسى وعيسى وغيرهما (أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ)
يعني: معرفته والعلم به منهم ومن أمتك يؤمنون به ، أخبر - جلَّ جلالُه - عن علمهم به
وإيمانهم ، وهذا القرآن المهيمن على ما قبله كما قال في غير هذا الموضع ، لكن
الراسخون في العلم منهم والمؤمنون ؛ أي: من أمتك يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل
من قبلك ، المعنى إلى آخره .
قوله تعالى: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ