قائل:"إني لأطلع على قلب عبد ، فأجد الغالب عليه ذكري إلا كنت سمعه الذي"
يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، ولئن
دعاني لأستجيبن له ، ولئن سألني لأعطينه ، ولئن استنصرني لأنصرنه ، ولأتجرن له
من وراء كل تاجر"فليكن - وفقنا الله وإياك - سؤالك منه يومئذٍ أن يحققك في"
الذاكرين له ، وارغب إليه في الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد ، فذكر الله في
التلاوة والكتابة ابتغاء معرفته والعلم به ، وذكره في العمل ابتغاء رضوانه وطلب
الفوائد منه ، والرغبة في مزيد الإيمان شغفًا به ولهجًا بذكره ، تبلغ إلى الولاية
العظمى والفوز الأكبر ، فهذا وجه في قوله: (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ) وهو
الأعلى والمراد الأول .
وأما المراد الثانى: وهو المعهود عند الأكثر من عباد الله - رضي الله عنَّا وعنهم
-فتلاوة الوحي طلبًا لكثير الأجر بتكثير إتباع بعض الأعمال بعضًا ، وكذلك العمل
بمرضاته ، اشتغالًا بها عن الفحشاء والمنكر ، ورغبة في تكثير الحسنات بتتابع
الحركات ، وتلك سبيل سائله وطريق قصد - إن شاء الله - والرعيل الأول
المنتخبون من الجاد لم تكن همتهم في تكثير العمل ، إنما كانت همتهم في تحسينه
لله وتحصينه من الآفات ، فافهم ، ألحقنا الله بهم وإياك ، ولا جعل حظنا من صفاتهم
وصفهم إنه حليم كريم .
وقد قيل في قوله - جلَّ جلالُه -: (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ) أْي: أكبر من
انتهائكم عن الفحشاء والمنكر ، وقيل: ذكر الله إياكم بالصلاة والتوجه بها إليه في
أزله ، وقيل: إيجادكم أكبر من ذكركم له الآن ، وقيل: ذكر الله إياكم بذكركم له أكبر
من ذكركم ، وكلٌّ صواب وموجود حق - إن شاء الله تعالى .
(وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ(46)