فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (75) إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76) وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (77) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (78) فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (79) إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (80) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (81) .
أتبع ذلك: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ(74) . ثم
أكد ذلك بقوله الحق: (وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ(75) .ًَ
قوله تعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ
يَخْتَلِفُونَ (76) . كانت بنو إسرائيل قد أوتوا بينات من الأمر ، فلما وقفوا على
البيان ووضحت لهم السبيل بالعلم اختلفوا ، فهدى الله - جل ذكره - الذين آمنوا
بالقرآن (لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)
لذلك ختم بقوله: (وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ(77) .
ثم هم يوم القيامة محكوم بينهم فيما اختلفوا فيه ، وكذلك المؤمنون محكوم
بينهم وبين بني إسرائيل وبين جميع المخالفين لهم ؛ لذلك قال - عز من قائل: (إِنَّ
رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (78) .
قوله تعالى: (فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ(79) . خطاب
خاطب به رسوله - صلى الله عليه وسلم - وهو خطاب لمن تبعه واقتدى به ، والحق المبين هما
الوجودان الوحي والحق المخلوق به السماوات والأرض ، وإنما أضاء الحق وبان
بالقرآن والوحي ، فاعلم ذلك ، ولذلك سماه مبينًا لموضع وحيه وهديه وكلامه ، فإذا
كان يوم القيامة تجلى الحق المبين - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه - يسمو النشوء إلى
ذلك (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ(147) .
وصف هذا الشأن بالنشء مجاز واتساع ، وعلى ما هو الوجود عندنا في بادئ
الرأي ، والتحقيق هو أن الحق ظهر فيما هَاهُنَا للعقول الصافية والقلوب المهدية ،