ألا تسمع إلى قوله العلي لما وصف عباده المؤمنين من لدن قوله:(إِنَّمَا
الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ)إلى قوله:(أُولَئِكَ هُمُ
الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا)ثم وصف ما هو يبلغهم إليه بقوله:(لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ
وَرِزْقٌ كَرِيمٌ)ثم حذف هنا ما معناه وصف للطف الذي به يبلغهم إليه
من غيب تدبيره ، ورفيع ما بهم ومستقرهم عنده .
ثم شبه ذلك منه بإخراجه رسوله وأصحابه إلى غزوة بدر حيث كانوا يخافون
ذات الشوكة ويطمعون في العير ، ويريد الله أن يحق الحق بكلماته في شأن بدر على
ما قد قدره في أزله ومشيئته حكمه في عبادد وتوصيلهم إلى علي كرامته بذلك ،
واستظهر على تعرف ذلك بما في سورة يوسف - عليه السَّلام - من حسن تدبيره وإكرامه وما
عبر عنه قوله الحق: (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ(76) .
وهذا المعنى الذي نروم تبيانه من غريب معاني الكتاب المبين ، وعلى إعلام
القرآن الكريم ؛ لأنه يلطف لعبده المؤمن من حيث لا يعلم ، ويدخل عليه الحسنات
من حيث لا يحتسب يصيبه بما يكره ويستعمله بطاعته في المنشط منه والمكره ،
فعلق الكلام لرسوله - عليه السلام - ينعشه بما تقدم ذكره ، وأدخل كاف التشبيه في قوله العلي:
(كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ) أي: الذي هو حكمه لعباده
ولطفه بهم يريدون عرض الدنيا ، وأبى الله إلا الآخرة والغنيمة وشفاء الصدور
والانتقام من الأعداء وكسر شوكة الكفر ، وفي ضمن هذا ما هو المعني وهذا له ما
بعده عبر عن هذا بقوله العلي: (لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ(8) .
ثم قال وقوله الحق: (وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ ...(7) . الحق
هنا: هو النصر وإعلاء الإسلام وإدحاض الشرك والباطل بكلماته ، عبر عن توحده
بالتدبير في إخراجهم على طمعهم في غير ذات الشوكة ، فكانت الشوكة وكان الفتح
المبين ، وعن إمداده إياهم بالملائكة - عليهم السلام - وعن معنى قوله: (وَمَا
النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (10) . بقوله: (وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ