فيكون تقدير الكلام: فأنذر وتوكل على العزيز الرحيم .
ثم اتصل منتظمًا بقوله: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ(214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ
اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216)
وانتظم قوله هذا بما في قوله: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ(3) .
ثم عطف قوله: (وَتَوَكَّلْ) على قوله: (وَأَنْذِرْ)
(وَاخْفِضْ) وقل على قوله: (الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ)
الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ). في قوله: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ) أي: القادر
على الانتقام منهم (الرَّحِيمِ) بك وبمن اتبعك (الَّذِي يَرَاكَ حِينَ
تَقُومُ (218) . يراه على كل أحواله ، لكنه - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه -
لعظيم كرمه وجليل ذكره ونعوت تعاليه وجلاله ذكره بأحسن أحواله وأكرم حركاته ،
وهو قيامه إلى الصلاة ، وبخاصة صلاة الليل .
ثم قال: (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ(219) . الساجدون هنا هم
الملائكة ، ومن كان يومئذٍ في الأرض من المؤمنين المهتدين وكل الموجود له
ساجد قانت لما كان خاصة دين الإسلام الصلاة ، وخاصة الصلاة السجود ، عرفه من
نفسه بأفضل أحواله وأحسن أعماله ، وذكر التقلب عبارة عن التقلب في عمل
الصلاة ، كما قال - عز وجل -: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا) .
ثم قال وقوله الحق: (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ ...(220) . أي: لقراءتك وذكرك إياه ودعائك
وسؤالك (الْعَلِيمُ) بحركاتك ، فيكون معنى ذلك: وتقلبك في
أصلاب الساجدين ، يخبر بذلك كهيئة تنزلك عن علمه العلي به حال عدمه قبل
إيجاده إياه .
(هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ(221) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (223) وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (227)