قال جل وعز: (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً) ووعظ جل
وتعالى بذلك عباده أنه أرسل الرسل وجعل لهم الأزواج والذرية ، ولا بد من غنى
ومن فقر ، ومن بلاء ومن عافية ، ومن هداية في ذريتهم وأممهم ومن ضلالة ، فلا
تشغلهم الأزواج والذرية ولا الفقر ولا الغنى عن طاعة ربهم ، ولا ركنوا إلى ذلك
دونه ، ولا التفتوا إلى الأولاد والأزواج على المعهود من الحرص على إصلاح الأهل
والولد في الدين والدنيا ، بل صمموا إلى ما أرسلوا إليه وقصدوا لما وجهوا له ، وهذه
سبيلهم فبهداهم اقتده ، والله المستعان ، ولا قوة إلا بالله وحده ، رجع الكلام إلى أوله .
يقول جل من قائل: (وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) هذا منتظم بما
تقدم من سؤالهم الرسول أن يأتيهم بآية ، وذلك لا يكون إلا بإذن من الله جل ذكره ،
ثم قال جل ذكره: (لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ) وجاء العلم في الكتاب الأول
الذي هو مكتوب علمه المحيط ، وفي هذا من الفقه أن رسولًا لا يكلف عن قوله
الحق الإتيان بآية شرطية ، بل يتابع على ما أوحي إليه ، ثم في أثناء ذلك تبدو آياته .
ومعنى قوله جل قوله: (لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ) قد تقدم أن كل كتاب
له أجل ، فالمعتقد الحق إن شاء الله تعالى أن الله - جلَّ جلالُه - قال للقلم:"اكتب علمي في"
خلقي"فهذا الكتاب هو المحيط بما في الكتابين من دونه الذي أحدهما: قال جلَّ"
قوله:"اكتب ما هو كائن"، والآخر:"اكتب المقدار"فذلك الكتاب الأول هو أم
لهذين بما يخرج .
قوله: (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ...(39) . على هذا ، أي: يثبت بما في الكتاب الأول
الذي هو مكتوب علمه المحيط في الخليقة أجمعها ، وقد يتوجه أيضًا أنه يمحو من
الكتب الثلاثة ما شاء وكيف يشاء (وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) أي: عنده العلم
الذي هو صفة ذاته ، وهو أم الكتاب على الحقيقة ، دل على صحة هذا التوجيه قوله
جل قوله: (مَا يَشَاءُ) فالمحو والإثبات موجود عن مشيئة لما قد يسبق في علمه أنه
يمحوه أو يثبته ، ومشيئته أم لكل محو وإثبات (وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ(4) .