وقدرته على ذلك إذا شاءه سنته الطاهرة ، يفعل ما يشاء من ذلك بتوسط الأسباب
وبإطراحها ، وإخراج أحكامه على حكم الكلمة ، معنى ذلك: إن هذا وهذا عَلَيَّ هَيِّنٌ ،
هذا حكمي وهذه قدرتي .
ألا ترى أن الأسباب والوسائط لا بد لأوائلها أن تكون عن عدم أسباب
ووسائط ، فحكم الكلمة هو الأصل ، وحكم السنة فرع له ؛ وإلى حكم الكلمة تعود
الأحكام كلها معنى وإيجادًا ، ثم أراه آية على ذلك في الوجود بقوله جلَّ قوله:
(وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا(9) . وكذلك قوله لمريم عليها السلام ،
كذلك الإشارة إلى علمها بمقدور الله الغائب أنه عنده كالحاضر الموجود المعهود ،
وعلَّمها أيضًا بعلم الله الذي هو شأنه .
وقول الملائكة - عليهم السلام - لامرأة إبراهيم اللَّه: ( كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ )
أي: هذا هكذا هو عند ربك كالمعهود عندك، أي: إنه - جلَّ جلالُه - إذا استأثر
بالفعل قبض ، وإذا أجراه على سنته بسط .
كما قال عزَّ من قائل لمحمد - صلى الله عليه وسلم -:(فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ
الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ).
ومن قولهم: حقيقة التوحيد أن تعلم أن قدرة الله تعالى على الأشياء بلا علاج ،
وصنعه في مصنوعاته بلا مزاج ، وعلة كل شيء صنعه ولا علة لصنعه ، وما تصور
في وهمك فالله بخلافه ، وهكذا فاسلك في نظرك عند تعرفك كلمة ( كَذَلِكَ) حيث
جاءت تطلب المشبه بها والمشار إليه ، وأضف إليها جملة ما يأتي في ذلك المشار
إليه ، فهو خطاب باطن مبني على خطاب باطن مبني على خطاب ذلك النص
الظاهر ، فاعلم ذلك .
قوله - جلَّ جلالُه - فيما حكاه عن عبده زكريا - عليه السَّلام -: (رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً ...(41) . قد
تقدم أنه - عليه السَّلام - لم يسأل الآية ؛ لبعد ذلك عندهن ولا لأنه لم يقع العلم له بنداء
الملائكة - عليهم السلام - كما ذكر بعض السلف المصنفين ، بل النَّبي - صلى الله عليه وسلم - محفوظ
علمه في موضع إيمانه ، وموضع فهمه محفوظ على الملائكة - عليهم السلام -
تبليغهم عن ربه - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه ، وإذا أوحى الله - جلَّ جلالُه - لنبي من الأنبياء -
عليهم السلام - أعطاه من العلم بما أوحى إليه ما يكافئ ذلك الوحي ، وعلى قدر