فهرس الكتاب

الصفحة 532 من 2809

وقدرته على ذلك إذا شاءه سنته الطاهرة ، يفعل ما يشاء من ذلك بتوسط الأسباب

وبإطراحها ، وإخراج أحكامه على حكم الكلمة ، معنى ذلك: إن هذا وهذا عَلَيَّ هَيِّنٌ ،

هذا حكمي وهذه قدرتي .

ألا ترى أن الأسباب والوسائط لا بد لأوائلها أن تكون عن عدم أسباب

ووسائط ، فحكم الكلمة هو الأصل ، وحكم السنة فرع له ؛ وإلى حكم الكلمة تعود

الأحكام كلها معنى وإيجادًا ، ثم أراه آية على ذلك في الوجود بقوله جلَّ قوله:

(وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا(9) . وكذلك قوله لمريم عليها السلام ،

كذلك الإشارة إلى علمها بمقدور الله الغائب أنه عنده كالحاضر الموجود المعهود ،

وعلَّمها أيضًا بعلم الله الذي هو شأنه .

وقول الملائكة - عليهم السلام - لامرأة إبراهيم اللَّه: ( كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ )

أي: هذا هكذا هو عند ربك كالمعهود عندك، أي: إنه - جلَّ جلالُه - إذا استأثر

بالفعل قبض ، وإذا أجراه على سنته بسط .

كما قال عزَّ من قائل لمحمد - صلى الله عليه وسلم -:(فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ

الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ).

ومن قولهم: حقيقة التوحيد أن تعلم أن قدرة الله تعالى على الأشياء بلا علاج ،

وصنعه في مصنوعاته بلا مزاج ، وعلة كل شيء صنعه ولا علة لصنعه ، وما تصور

في وهمك فالله بخلافه ، وهكذا فاسلك في نظرك عند تعرفك كلمة ( كَذَلِكَ) حيث

جاءت تطلب المشبه بها والمشار إليه ، وأضف إليها جملة ما يأتي في ذلك المشار

إليه ، فهو خطاب باطن مبني على خطاب باطن مبني على خطاب ذلك النص

الظاهر ، فاعلم ذلك .

قوله - جلَّ جلالُه - فيما حكاه عن عبده زكريا - عليه السَّلام -: (رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً ...(41) . قد

تقدم أنه - عليه السَّلام - لم يسأل الآية ؛ لبعد ذلك عندهن ولا لأنه لم يقع العلم له بنداء

الملائكة - عليهم السلام - كما ذكر بعض السلف المصنفين ، بل النَّبي - صلى الله عليه وسلم - محفوظ

علمه في موضع إيمانه ، وموضع فهمه محفوظ على الملائكة - عليهم السلام -

تبليغهم عن ربه - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه ، وإذا أوحى الله - جلَّ جلالُه - لنبي من الأنبياء -

عليهم السلام - أعطاه من العلم بما أوحى إليه ما يكافئ ذلك الوحي ، وعلى قدر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت