نظم بذلك قوله: (إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا(45) . معنى هذا: أن
السائلين عنها بمتى مشتغلون بما لا يجدي نفعًا ،"من مات قامت قيامته"الخاصة
به ، فالسؤال عنها شغل عن توليد الخشية والأخذ لها بالأهبة لمجيئها(إِنَّمَا تُنْذِرُ
الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ)وخشيتها أن يتعرف العبد أنها آتية لا
محالة وكانة ضرورة ، وإثبات ذلك اختلف الملوان وتعاقب العصران واستدارت
الأفلاك ، ومهما شككت في قربها فاستبعدتها ، فاليقين حاصل بقرب الموت ، وأنه لا
يتصور في إقباله بعد وعند الموت يأتيك اليقين ينزل الميت من حين موته على
جزاء ما قدم خيرًا قدمه أو شرًا (وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا(21)
بل الكَيِّس منتظر له مع اختلاف أنفاسه لذلك .
قال - عز من قائل: (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا(46)
متى تذكرت ما مضى فليس بيدك منه إلا أنه مذكور عندك حسب
وطول الأمد أو قصره ، قد تقضى وهو الآن معدوم ، لذلك كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول
لأصحابه متى سألوه عنها:"من مات قامت قيامته".
وقال لهم يومًا وقد سأله سائل عنها فقال: متى الساعة يا رسول الله ؟ فأشار إلى
أصغر القوم ، ثم قال:"إن يعش هذا لم يدركه الهرم حتى تقوم عليكم قيامتكم"
كما قال ليلة وقد صلى صلاة العشاء الآخرة ، ثم أقبل عليهم فقال:"أرأيتكم ليلتكم"
هذه ، فإن على رأس مائة سنة لا يبقى ممن هو على وجه الأرض أحد"يقرب"
الأمر ويزهدهم في الدنيا ، ويبصرهم سرعة انقضائها وقرب قيامها ، ويحذرهم ما هم
قادمون عليه .