فهرس الكتاب

الصفحة 1760 من 2809

يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (14) .

قوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ(8)

انْبَنَت هذه الآية على ذكر الجدال والمجادلين في آيات الله ، لكن الآية

الأولى في المجادل المتبع للضالين والمضلين من كل شيطان مريد من الجن

والإنس ، وهذه في المجادل في آيات الله الداعي إلى نفسه الضال المضل ، وكل من

كان على هذا فهو دجال لا هداية معه من الله ولا نور كتاب .

ثم قال: (ثَانِيَ عِطْفِهِ ...(9) . كما يقال: نأى بجانبه ولوى وأعرض ، وذكر

العطف هنا إشارة إلى الكبر والتعاظم .

ثم أتبع ذكر هذين الصنفين ذكر صنف ثالث ، وهو: الضعيف الإيمان الشاك

المرتاب. قوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ ...(11) . حرف كل شيء أحد جانبيه ،

وكان أحدهم يدخل في الإسلام فإن ولدت امرأته غلامًا ونتجت فرسه وأصاب ما

يحبه قال:"هذا دين صالح"وإن أصابه ضد ذلك قال:"هذا دين سوء"وتطيَّر به

فراجع كفره ، عبر عن ذلك منه قوله - عز جلاله: ،(انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا

وَالْآخِرَةَ)أي: إنه لم يصب في دنياه خيرًا ، ولذلك انتقل عن عبادة ربه ؛ ولرجوعه

إلى ضلاله امتنع خير الآخرة (ذَلِكَ) المشار إليه هو خسران الدنيا والآخرة ،

فخسرانه هناك (هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) أي: بيَّن عن نفسه .

ووجه آخر: وهو أن المعهود هو التوسعة على الكافر استدراجًا له بالعوافي

ومتاع الدنيا ، يقول الله عزَّ من قائل: (لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ(196) مَتَاعٌ

قَلِيلٌ) ويقول: (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ)

ونحو هذا وهو كثير ، فكيف يتصور القول بأنه خسر الدنيا وإن كان قد

خسر الآخرة .

اعلم - أرانا الله وإياك رشدنا - أن الله ، جل ذكره ، وضع الدنيا ناقصة وإنما

جعل تمامها في الآخرة ، فإذا نال في الدنيا مهنأه فلم يشكر نعم اللَّه بل كفرها ،

وأصابته مصابها فلم يصبر لله - جل ذكره - بل سخط وضج وفرَّ إلى سواه منها ،

فإذا صار إليه انقطع عنه ذلك ، وأخذه بنعمه وقلة صبره ، وضاعف له العذاب مع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت