يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (14) .
قوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ(8)
انْبَنَت هذه الآية على ذكر الجدال والمجادلين في آيات الله ، لكن الآية
الأولى في المجادل المتبع للضالين والمضلين من كل شيطان مريد من الجن
والإنس ، وهذه في المجادل في آيات الله الداعي إلى نفسه الضال المضل ، وكل من
كان على هذا فهو دجال لا هداية معه من الله ولا نور كتاب .
ثم قال: (ثَانِيَ عِطْفِهِ ...(9) . كما يقال: نأى بجانبه ولوى وأعرض ، وذكر
العطف هنا إشارة إلى الكبر والتعاظم .
ثم أتبع ذكر هذين الصنفين ذكر صنف ثالث ، وهو: الضعيف الإيمان الشاك
المرتاب. قوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ ...(11) . حرف كل شيء أحد جانبيه ،
وكان أحدهم يدخل في الإسلام فإن ولدت امرأته غلامًا ونتجت فرسه وأصاب ما
يحبه قال:"هذا دين صالح"وإن أصابه ضد ذلك قال:"هذا دين سوء"وتطيَّر به
فراجع كفره ، عبر عن ذلك منه قوله - عز جلاله: ،(انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا
وَالْآخِرَةَ)أي: إنه لم يصب في دنياه خيرًا ، ولذلك انتقل عن عبادة ربه ؛ ولرجوعه
إلى ضلاله امتنع خير الآخرة (ذَلِكَ) المشار إليه هو خسران الدنيا والآخرة ،
فخسرانه هناك (هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) أي: بيَّن عن نفسه .
ووجه آخر: وهو أن المعهود هو التوسعة على الكافر استدراجًا له بالعوافي
ومتاع الدنيا ، يقول الله عزَّ من قائل: (لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ(196) مَتَاعٌ
قَلِيلٌ) ويقول: (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ)
ونحو هذا وهو كثير ، فكيف يتصور القول بأنه خسر الدنيا وإن كان قد
خسر الآخرة .
اعلم - أرانا الله وإياك رشدنا - أن الله ، جل ذكره ، وضع الدنيا ناقصة وإنما
جعل تمامها في الآخرة ، فإذا نال في الدنيا مهنأه فلم يشكر نعم اللَّه بل كفرها ،
وأصابته مصابها فلم يصبر لله - جل ذكره - بل سخط وضج وفرَّ إلى سواه منها ،
فإذا صار إليه انقطع عنه ذلك ، وأخذه بنعمه وقلة صبره ، وضاعف له العذاب مع