فهرس الكتاب

الصفحة 1761 من 2809

البقاء في ذلك وطول الأمد .

(فصل)

واختلف السلف هل لله - جل ذكره - على الكافر نعمة دنيوية أم لا ؟ بعد

اتفاقهم على أن أول نعم الله على العبد أن خلقه سالم الحواس والجوارح ممتعًا

بالقوى ، وما جعله به مستويًا ، وبعد اتفاقهم أيضًا على أن أفضل نعمة على العبد أن

هداه إلى الإيمان ويسره للإسلام .

وقال فريق: ليست لله - جل ذكره - على الكافر نعمة ؛ إذ قد أفاته نعمة الإيمان

وإنما كل ما هو معطيه إياه من أهل ومال وولد وصحة وسلامة وعافية وتوسعه في

ذلك فتنة له واستدراج إلى منال أشد العذاب ، وأوجع الآلام وأبعد البعد من

رحمة الله .

وقال فريق: بل نعم الله سابغة شائعة على الكافر في الدنيا إلا ما شاء من ذلك

وله على المؤمن نعم الدنيا والآخرة ، ولو شاء الله لضرب الكافر بضروب البلايا

وأنواع العذاب في الدنيا من الجدام والبرص وتقطيع الأعضاء إلى غير ذلك من

أصناف الغير ، ممن أصاره بعد الموت إلى جهنم وبئس المصير ، لكان له ذلك ؛ فإذ

قد آتاه في الدنيا السلامة ومتَّعه بشرف العيش وسعة الحال وكثرة الأهل والولد ،

وهي نعم من الله عليه .

وأجاب على ذلك الفريق الأول بأن قالوا: ليس ما ذكرتموه على الكافر نعمة

عليه ؛ إذ العلم قد استقر أن جميع ما يرزقه ويجبوه مما يظن بهما أنها قبله ، نعم

يعذبه عليها في الآخرة عذابًا فوق العذاب بكفره ، لإفساده وصده وتضييع شكره ،

قالوا: فهو كمن أعطاه ذبيحة مسمومة ، كان فيها هلاكه ، فعادت نعمة الله على غيره

الكافر نقمة على التحقيق ، فهو قول الله - جل قوله: (خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ)

لم يْكر نعم دنياه ولا صبر لبلائها ، بل كفر ونخر ، فكان كما قال الله -

جل ذكره: (زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ(88) .

وفي كتاب الله - جل ذكره - من تبيين هذا المذهب قوله - عز وجل -: (وَلَا يَحْزُنْكَ

الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت