البقاء في ذلك وطول الأمد .
(فصل)
واختلف السلف هل لله - جل ذكره - على الكافر نعمة دنيوية أم لا ؟ بعد
اتفاقهم على أن أول نعم الله على العبد أن خلقه سالم الحواس والجوارح ممتعًا
بالقوى ، وما جعله به مستويًا ، وبعد اتفاقهم أيضًا على أن أفضل نعمة على العبد أن
هداه إلى الإيمان ويسره للإسلام .
وقال فريق: ليست لله - جل ذكره - على الكافر نعمة ؛ إذ قد أفاته نعمة الإيمان
وإنما كل ما هو معطيه إياه من أهل ومال وولد وصحة وسلامة وعافية وتوسعه في
ذلك فتنة له واستدراج إلى منال أشد العذاب ، وأوجع الآلام وأبعد البعد من
رحمة الله .
وقال فريق: بل نعم الله سابغة شائعة على الكافر في الدنيا إلا ما شاء من ذلك
وله على المؤمن نعم الدنيا والآخرة ، ولو شاء الله لضرب الكافر بضروب البلايا
وأنواع العذاب في الدنيا من الجدام والبرص وتقطيع الأعضاء إلى غير ذلك من
أصناف الغير ، ممن أصاره بعد الموت إلى جهنم وبئس المصير ، لكان له ذلك ؛ فإذ
قد آتاه في الدنيا السلامة ومتَّعه بشرف العيش وسعة الحال وكثرة الأهل والولد ،
وهي نعم من الله عليه .
وأجاب على ذلك الفريق الأول بأن قالوا: ليس ما ذكرتموه على الكافر نعمة
عليه ؛ إذ العلم قد استقر أن جميع ما يرزقه ويجبوه مما يظن بهما أنها قبله ، نعم
يعذبه عليها في الآخرة عذابًا فوق العذاب بكفره ، لإفساده وصده وتضييع شكره ،
قالوا: فهو كمن أعطاه ذبيحة مسمومة ، كان فيها هلاكه ، فعادت نعمة الله على غيره
الكافر نقمة على التحقيق ، فهو قول الله - جل قوله: (خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ)
لم يْكر نعم دنياه ولا صبر لبلائها ، بل كفر ونخر ، فكان كما قال الله -
جل ذكره: (زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ(88) .
وفي كتاب الله - جل ذكره - من تبيين هذا المذهب قوله - عز وجل -: (وَلَا يَحْزُنْكَ
الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي