قوله تعالى: (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ(78)
أحالهم - جل ذكره - أولًا على الاعتبار بالنشأة الأولى ، ليعلموا بذلك
صحة النشأة الآخرة ، وبالبدأة على العودة ، ثم ضرب مثلا يدل به دلالة أخرى على
مدلول آخر ، يقول: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ
تُوقِدُونَ (80) .
يقول - جل ذكره: النار حارة يابسة ، والشجر الأخضر بارد رطب ، والنار غيب
في هذه الدار إلى أن يقدح فتقدح كالأحياء يظهر الله بها الحياة من حال عدمها
فيحيي بها المحل ، كذلك النار بما هي بحكم في الشجر الأخضر فيذهب حرارتها
ويبسها رطوبة الشجر وبرودتها ، فإذا هي نار تتوقد بإذن جاعلها وخالقها ، كذلك
الحياة حارة رطبة ، والموت بارد يابس ، فمتى أراد المميت - جل ذكره - إماتة محل
حكم فيه الموت فأذهبت برودته ويبوسته رطوبة الحياة وحرارتها ، فإذا المحل ميت ،
ومتى أراد المميت المحي - عز وجل - إحياء ذلك المحل حكم فيه الحياة فأذهب حرارتها
ورطوبتها برودة المحل ويبوسته ، ثم قال له: ( كن فيَكُون ) على وفق
مشيئته ، فإذا هو حي كما قال: (إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا
مُحْضَرُونَ (53) . (قِيَامٌ يَنْظُرُونَ) .
هذا تبيان لنا في المراد على معهود سنن السنة ، وأمَّا على حكم الكلمة فهو
الواحد القهار ما شاء الله لا قوة إلا بالله ، كذلك أبطن الحياة على ما هي عليه من
الحرارة والرطوبة في النبات على ما فيه من الرطوبة والبرودة ، والنار على ما فيها
من الحرارة واليبوسة ، جمع ذلك كله في الشجر الأخضر على اختلاف الأوصاف
وتباعد الصفات .
يقول: الذي فعل في الشجر هو فاعل هذا في الأجسام البالية ورميم العظام
الفانية ، وقد أنشأها أول مرة دون اعتياض ولا تعدد ، فما بال الآخرة تعجزه والحياة
إلى الموت أقرب وصفًا من النار إلى الشجر الأخضر لحصول الحرارة في الحياة
وليس لها في الشجر من أوصافها وصف سوى وصف البرد ، وإنما هو لضدها منها
وهو زمهرير ، فافهم وتثبت ، والنار تكون في شجر الكلح والمرخ وغيرهما .
وبالجملة: فجهنم فيما هاهنا غيب على ما يبدو منها من فيح نفسها ، وكذلك