فهرس الكتاب

الصفحة 2192 من 2809

قوله تعالى: (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ(78)

أحالهم - جل ذكره - أولًا على الاعتبار بالنشأة الأولى ، ليعلموا بذلك

صحة النشأة الآخرة ، وبالبدأة على العودة ، ثم ضرب مثلا يدل به دلالة أخرى على

مدلول آخر ، يقول: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ

تُوقِدُونَ (80) .

يقول - جل ذكره: النار حارة يابسة ، والشجر الأخضر بارد رطب ، والنار غيب

في هذه الدار إلى أن يقدح فتقدح كالأحياء يظهر الله بها الحياة من حال عدمها

فيحيي بها المحل ، كذلك النار بما هي بحكم في الشجر الأخضر فيذهب حرارتها

ويبسها رطوبة الشجر وبرودتها ، فإذا هي نار تتوقد بإذن جاعلها وخالقها ، كذلك

الحياة حارة رطبة ، والموت بارد يابس ، فمتى أراد المميت - جل ذكره - إماتة محل

حكم فيه الموت فأذهبت برودته ويبوسته رطوبة الحياة وحرارتها ، فإذا المحل ميت ،

ومتى أراد المميت المحي - عز وجل - إحياء ذلك المحل حكم فيه الحياة فأذهب حرارتها

ورطوبتها برودة المحل ويبوسته ، ثم قال له: ( كن فيَكُون ) على وفق

مشيئته ، فإذا هو حي كما قال: (إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا

مُحْضَرُونَ (53) . (قِيَامٌ يَنْظُرُونَ) .

هذا تبيان لنا في المراد على معهود سنن السنة ، وأمَّا على حكم الكلمة فهو

الواحد القهار ما شاء الله لا قوة إلا بالله ، كذلك أبطن الحياة على ما هي عليه من

الحرارة والرطوبة في النبات على ما فيه من الرطوبة والبرودة ، والنار على ما فيها

من الحرارة واليبوسة ، جمع ذلك كله في الشجر الأخضر على اختلاف الأوصاف

وتباعد الصفات .

يقول: الذي فعل في الشجر هو فاعل هذا في الأجسام البالية ورميم العظام

الفانية ، وقد أنشأها أول مرة دون اعتياض ولا تعدد ، فما بال الآخرة تعجزه والحياة

إلى الموت أقرب وصفًا من النار إلى الشجر الأخضر لحصول الحرارة في الحياة

وليس لها في الشجر من أوصافها وصف سوى وصف البرد ، وإنما هو لضدها منها

وهو زمهرير ، فافهم وتثبت ، والنار تكون في شجر الكلح والمرخ وغيرهما .

وبالجملة: فجهنم فيما هاهنا غيب على ما يبدو منها من فيح نفسها ، وكذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت