أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (16) .
قوله تعالى: (فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ
مِنْسَأَتَهُ ... (14) . يقرأ بالهمز وبترك الهمز ، فالهمز فيها إعلام بأنها مأخوذة من
التأخير ؛ لأن صاحبها ينسأ بها عن نفسه الأذى وعن طريقه أيضًا ، وقد قالوا: إنها
كلمة اتصلت بها"من"فيكون اسم العصا: سأة ، فيكون معنى ذلك: دابة الأرض
تأكل منسأته ،"مِنْ"للتبعيض ظاهر عليه أثر الإغفال لو كان ذلك كذلك كانت تكون
التاء مخفوضة ؛ فيكون معنى ذلك: دابة الأرض تأكل من عصاه .
قوله تعالى:(فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي
الْعَذَابِ الْمُهِينِ)قول اللَّه الحق لا إله إلا هو ، ذكر في تفسير هذا المعنى
أنه كان - عليه السَّلام - متوكئًا على عصاه ، وذكر بعضهم مدة أربعين سنة والجن في عملهم
ينظرون إليه فيجدون على العادة ، حتى بعث لله - جل ذكره - الأرضة أو السوس
فأكلت العصا حتى انتهى منها إلى القدر الذي لا يحمل الاعتماد عليه انكسرت
فخر ، قال: فتفرقت الجن يومئذٍ ، وهذا لو كان كما ذكروه لم يكن إلا عن عادة له
قبل الموت من اعتماد على العصا طول مدته فأوقف على ذلك بعد الموت ، أو
مات على حاله تلك وبقي إلى أن خرَّ واقعًا على ما ذكروه ، ولم يكن حاله في مدة
حياته - صلوات الله وسلامه عليه - تلك ، بل كان في غزواته والريح تحمله والطير
تظله والجن والإنس حوله ، يسير مبتكرًا شهرًا ورواحها شهرًا .
وكان يلزمه من حق الله - جل ذكره - والمسلمين وحق نفسه وأهله ووفوده ما
يلزم مثله ، وعلى هذا فليس يصح وجوده قائمًا على عصاه أبدًا حتى يكون ذلك
المعهود منه ، إلا أن يكون ذلك تمثالًا وضعه في حياته علمًا للمستسخرين ، وأوعز
إليهم بالجد والاجتهاد في عملهم ذلك ما رأوا التمثال ، ولما توفي بقى الأمر على
ذلك لبقاء ذلك التمثال المدة المقدرة حتى خرَّ وأخفى موته كما قد يخفي موت
الملوك لا سيما مثله ، ويقيم الأحكام من أهل المقامة بعده ، فكيف هذا القيم لم
يجدد منسأة غيرها ليدوم الجن في ذلك العذاب المهين ؟ وإن كانت الجن قد عمى
عليهم علم ذلث فلِمَ لم يفقدوا اجتماع الطير ومقاماتها في رتبها والريح المسخرة