والسحاب إلى غير ذلك ؟!.
وما أرى ذلك إلا مثلًا ضربه الله - جلَّ جلالُه - لا يفهم سر المراد منه إلا على صيغة هذا
الخطاب أو لما شاءه من حكمته ، والمنسأة عبارة عن النسيان ، كما العصا عبارة عن
العصيان ، وأصل العصا لآدم - عليه السَّلام - قيل: إنها أنزلت عليه من الجنة .
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"كانت عصا آدم من شجرة الخلاف - وهي شجرة"
الصفصاف - في دار الدنيا"."
قال الله - عز من فائل: (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ) .
وقال: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى(121) .
فوجه الحكمة في إمساكه العصا: أن يتذكر بها عصيانه ؛ ولأنها منساة أن يتذكر
بها نسيانه العهد ، وقد قرأها حميد: مَنساة - بفتح الميم - وهي مَفْعَلَة من النسيَان ،
وأمَّا مِنساة - بالكسر - فهو اسم ، كمكيال من كيل ، وميزان من وزن ، ومرباع من
ربع ، وهو كثير ، ومن قرأها"منسأة"بالهمز ، ليؤخر بها عنه النسيان بالذكر ، وليذكر
متعمده الله ، جل ذكره .
قال موسى - عليه السَّلام - وقد سأله ربه: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى(17) . وهو
أعلم (قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى(18) .
يعني ، والله أعلم بذكره المآرب: ما تقدم ذكره من التذكار بها ، فإن ذلك
ليس يبعد على مثله في نبوته ورسالته - عليه السَّلام - فعليها اعتماده ، وهي إمامه وقائده وهاديه
ومذكرته ، وبها يبطش وبها استكفى الأذى ، ويبعده عن نفسه بتذكر هذا كله من
أسماء ربه فيها ، ولذلك كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا خطب أمسك في يده عصا أو قوسًا
وتركها سُنة في أمته من بعده ، إشعارًا بأن ظاهر ذلك الاعتماد لما فيها من معاني
أسماء تقدم ذكر بعضها ؛ وباطنه تذكر أنت عصيانك تذكر ربك ، لا تعظ النَّاس
وتنسى نفسك ، لا تذكر الناس ربهم وتنساه ، لا تقدم سواك إلى الخيرات والذكر
وتتأخر أنت .
وأما إمساكه على بعض أحايينه القوس فهو عصا من حيث هو تكأة ومنسأة ،