وفي إمساكه استشعار جهاد النفس وجهاد العدو الباطن والظاهر ، وكان الأنبياء
والمرسلون والصالحون بعدهم خلف عن سلف يمسكون العصا ، والعصا يعبر بها
عن الأمر ، فيعتبر بصحتها واجتماعها عن اجتماع الأمر وسلامته ، ويعبر بانشقاقها
عن تفرق الأمر ، وبقيامها عن قيام الأمر ، ولإلقائها عن استقراره ، وبتزيالها عن
التفرق والبين والثريان ، ويعبر بدابة الأرض عن الدجال أو أي دجال كان من
الدجاجلة .
ولما قضى الله ، جل ذكره ، (عَلَيْهِ الْمَوْتَ) يعني: الأمر قائمًا على حاله قبل
وفاته - صلى الله عليه وسلم - ما شاء الله ، إما كما ذكروا أربعين سنة ، أو كما هو في علم الله - جل ذكره
-وقد روى قيس بن سعيد عن ابن عباس أنه قرأ هذه الآية:(فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ
أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا)حولًا (فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ) فكان
أمره على قيامه لا يستنكر الناس منه شيئًا ، والقَيم الخَالف بعده يسير بهديه ويسوس
الأمر ، إلى أن أنتج له دجال يناقض الأمر ويستر مناقضته ، فخر الأمر لما قام ذلك
مقام الأرضة أو السوس تأكل العصا والمنسأة .
قوله - جل وعز: (تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ) وقرأها أبي وابن عمر وابن عباس
والضحاك بن مزاحم:"تبينت الإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب"، ويُروى عن
ابن عباس:"تبينت الإنس أن لو كانت الجن تعلم الغيب ما لبثوا حولًا في العذاب"
المهين"وقرأ يعقوب:"تُبُينت الجن"بضم التاء والباء ، وقرأ ابن عباس وغيره:"دابة
الأرَض"بفتح الراء ، فعلى هذا يكون المفهوم أن إخبار الله - جل ذكره - عن فخامة"
الملك وعظم قدره ، وأنه أمسكه عليه كما يمسك هدى الأنبياء بعدهم عليهم إلى أن
يغير لأجل ذنوبهم .
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"ما من نبي إلا كان له أصحاب من بعده وحواريون من"
أمته يهدون بهديه ويستنون بسنته إلى أن يخلف بعدهم خلوف . . ."."
وقال - صلى الله عليه وسلم -:"ما من نبوة تكون إلا تناسخت إلى أن تكون ملكًا".