تسليم جدل ، وهذا من فرض ما لا يجوز كونه ؛ ليتبين أما لا يجوز سواه .
يقول - وهو أعلم: لو كان معه آلهة كما زعمتم لم يكونوا إلا مخلوقين ، ولا
خالق إلا الله وحده لا شريك له ؛ إذ لا يجوز أن يوجد شيء أوجد نفسه من غير
موجد يوجده هو سواه ، وإذا كان مخلوقًا فهو عبد لخالقه ، ومن حيث هو عبد فهو
عابدًا له قانت ، وإذا كانوا كذلك فهم إذًا عباد له أمثالكم ، لا يملكون لأنفسهم ولا
لسواهم ضرًّا ولا نفعًا إلا ما شاء الله تعالى .
وقد كان قوم من العرب يعبدون الملائكة ، وهم صافون عند ربهم عابدون له ،
وكان فيهم رجال يعبدون رجالًا من الجن ، فأسلم أُولَئِكَ النفر من الجن ، وبقي
الذين ضلوا بعبادتهم في ضلالهم ، وقد اهتدوا أولئك بقول الله ، جلَّ من قائل:
(أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ
وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (57) . سبح العلي الأعلى
نفسه عن قبيح [افترائهم] وكبير اجترامهم بقوله: (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ
عُلُوًّا كَبِيرًا (43) .
نظم بذلك قوله الحق - عزَّ جلاله: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ
فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ... (44) . فإذا كان ذلك كذلك ، فكيف يصح تصور
جواز معبود سواه مع هذا ، يقول الله جلّ من قائل:( وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ
كَانَ حَلِيمًا)عن ذنوب عادد ، حليمًا عن غفلتهم ، حليمًا عن
معاجلتهم ، لأجل قولهم: (اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا) وجعلهم له شركاء وآلهة
يعبدونها من دونه ، (غَفُورًا) لذنوب عباده المؤمنين .
(فصل)
التسبيح يكون بمعنى: التنزيه ، ويكون بمعنى: التحميد ، ويكون بمعنى:
التعجيب ، وهو راجع إلى الأولين .