ينزل - أن ذلك إخبار منه مما تقدم في الأمم الخالية والقرون الماضية ، وأن تلك
هي سنة فيهم ؛ لذلك - وهو أعلم - أتبعها بقوله: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا
كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (42) .
فكان في ذلك تعريض بما هو مصيب هذه الأمة منْ إحاطة الفتن ، وأن ذلك
بما كسبت أيدي الناس ، وأن دواء ذلك الداء بالتوجه لله بالدين القيِّم ، فالبدار البدار
-رحمنا الله وإياكم - بالتوبة النصوح والعمل الصالح ، وحسن الاقتداء بالرسول - صلى الله عليه وسلم -
والهرب من الخوض في أباطيلهم وتخليطهم حتى يأتي الله بأمره ، إن الله على كل
شيء قدير .
ثم أتبع ذلك قوله - جل من قائل: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ ...(43) . أي: فهو
الدواء لهذا الداء (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ)
المعنى لقوله - جلَّ جلالُه -: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ
رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (46)
قال - عز وجل -: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ) ثم عطف بالواو و"لام"كي
في قوله: (وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ) معنى ذلك - والله أعلم بما ينزل: مبشرات بفتح
رحمته ، وبالخصب من الجدب ليرزقكم ، ويحيي به الأرض بعد موتها ، ويصرفه في
طرقات تصريفه وتكوين خلقته (وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ) فعطف على هذا المطلع من
شرف هذا المعتبر على معالم الجنان ورياض جنة الرضوان ، اعتبارًا من فتح رحمته
إلى محل دار أمانه ومنال رضوانه ، واستعلامًا بإحيائه بلدة الميت من دار الحيوان ،
حيث لا موت ولا زوال وبموجودات ما يوجده من رحمته هنا على موجودات ما
هنالك .
ثم قال: (وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ) آيات على وحدانيته ، وأن تدبيره كل شيء
كدبيره شيئا ما ، وآيات على ما يحملهم فيه فيما هنالك من فلك وغيرها من مثله ما
يركبون ، ثم أرجع الخطاب ظاهرًا على معنى ما أبطنه بقوله: (وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ)
في الأسفار من أرباح متاع الدنيا ومدخور دار الآخرة (وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)