فتنالوا الموعود الذي هي هذه آيات عليه .
(فصل)
إرسال الرياح في الأجواء آية على الوحدانية ، هو الواحد في السماء الواحد في
الأرض ، أمره في الأرض كأمره في السماء ، والريح عن الروح تلقح بها السحاب في
الهواء ، ويوجد فيها الماء ، ينزله إلى الأرض ثم يصرفه إلى ما يصرفه إليه ، فله الخلق
والأمر ، وهو العلي الأعلى .
وإرساله الرياح أيضًا آية على إرساله الرسل يرسلها مبشرات برحمته وعقابه ،
ويوجد عنها ما يكون من موجودات الآخرة ، فأشبهت الرسل في بشارتها ونذارتها ثم
يصرف وحيه إليهم بعد إلى ما يشاء من أمرٍ ونهي ووعد ووعيد بتوابع ذلك ، وكما
يرسل الرياح ليذيق العباد من رحمته الدنيوية ، ثم يؤولها في حق من يشاء من عباده
إلى رحمته الأخروية ، كذلك يرسل رسله إلى العباد ، لذيقهم من رحمته الأخروية ، ثم
يؤولها في حق من يشاء إلى رحمته الدنيوية ، وربما جمع لمن شاء رحمته فيهما .
وكما قد يهلك بالرياح كما فعل بقوم هود وأصحاب الظلة وغيرهم ، كذلك قد
ينجي بالمرسلين من آمن به وصدق المرسلين ، ويهلك من أبى وعتى ، وكما يرسل
الرياح لتجري الفلك في البحر بأمره كذلك يرسل رسله إلى عباده ؛ ليجريهم في
بحر الدنيا بهدايته إلى الآخرة التي هي موضع عبورهم ، وكذلك يرسل رسله إلى
عباده ليبتغي عباده من فضله في الآخرة ، وكما يرجى لهم أن يشكروه كذلك يخشى
عليهم أن يكفروه .
يقول الله عز من قائل: (إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي
ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (33) .
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ(47) اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (48) وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (49)