عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (14) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (15) .
نظم بص تقدم قوله الحق - جل من قائل: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ
زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (14) . إنما يكون على بينة من ربه من
شهدت عنده شواهده ، وأعربت له عنه آياته ، وبينت مجاري الحق المخلوق به
السَّمَاوات والأرض والوحي ببيانه ، يقول: أيكون هذا (كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ) فعمي
عن رشده وضل عن هدايته ، واتبع هواه وأغواه عدوه فانتظم بما تقدم ذكره من أول
السورة وبخاصة بالمتصل به قوله: (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ
وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (12) .
ونظم قوله الحق: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ(13) .
بما تقدم في أثناء السورة من التهديد
والوعيد للكافرين ، فإن السورة تأسست على التمييز بين الذين آمنوا والذين كفروا
وذكر أعمالهم ، وتحريض المؤمنين على القتال والوعد بالنصر لهم إن صدقوا الله
في قتالهم وسائر أعمالهم .
نظم بذلك وصفه للفائزين قوله - عز من قائل: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ
فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ
لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ ... (15)
تبين في هذه الآية فضل موجودات الجنة على موجودات الدنيا ، وذلك
أن لبن ما هاهنا يحتلب من الضرع ، يخرجه الله من بين فرث ودم يعدل به عن هذا
وهذا إلى أن يكون لبنًا في عضو الضرع يستخرج بالحلب من أحاليل ضيقة ، كذلك
إن الماء الكائن عنه اللبن النازل من السماء ماء بين حميم برد الزمهرير وفيح
السعير ، وامتن الله - تبارك وتعالى - على عباده بفضله بأن غلب فتح رحمته على