فيح عذابه فأخرجه لذلك عذبًا ولم يخرجه أجاجًا .
يقول الله - جل من قائل: (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ(68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ
أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (69) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (70)
والحمد لله رب العالمين على تغليبه رحمته على غضبه ، ثم أسلكه في الأرض
ظهرها وبطنها فأكسبه من الأرض معاني خلقتها ، ثم أسلكه بعد في النبات على
اختلافه والنبات ، فهو ابن لأبيه وأمه ، فتقوى الله من فتح وفيح ، ثم أسلكه في
الحيوان أيضًا فأكسبه بذلك خلقة ما أسلكه فيه ، ثم أخرجه العليم القدير لبنًا خالصًا
سائغًا للشاربين من بين فرث ودم في هذه المسالك .
كذلك العسل قد أسلك الماء مسالكه التي تقدم ذكرها إلى النبات فحرست
النحل من كل الأزهار والثمرات ، ثم اتخذت من كهوف الجبال وشعفها وسقوفها
ومن الشجر ومما يعرش بنو آدم لها بيوتًا فكان لها مسالك في ذلك ، وقال ربك - جلَّ جلالُه -
لها ولمختلف الثمرات والأزهار: (فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا) فسلك
كل مسالكه التي أسلكه ، فأخرج الله - جل ذكره - من بطونها من ما ركبت النحل
منه وبين ما يخرج منها من ثقل شرابًا مختلفًا ألوانه لاختلاف مسالكه ، وما أخذ عنه
فيه شفاء للناس يختلط فيه أنواع النفع وتمتزج عصارة فراخ النحل ، وما قد يختلط
فيه من رجيعها ، لذلك قال - عز وجل - ما هنالك من عسل مصفى .
يقول - عز وجل -: وعلى ذلك (فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ) .
(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ(67) . ما هنالك بما هاهنا ، كذلك
الخمر قد أسلك الله الماء مسالكه التي تقدم ذكرها إلى الزرع والنخيل والأعناب
والثمرات يجعل عليه الماء وتخمر لتجتمع فيه أغزية كالتعفين له ، ويخرج بذلك عن
وجوده الأول إلى ما ليس به ، فيكون عن ذلك لشاربه ضد ما يكون من الماء على
علات مسالكه من ظهوره وخباءه به ، وعن العسل على علاته أيضًا من شفاء فيه
للناس ؛ أي: لجميع الناس بواسطة ما يضاف إليه لمقاربة ما بينه وبين الموجودات ،
يرد ما أضيف إليه بالقوة ، ويتوسط هو بين نفسه وبين ما أضيف إليه ، وبخلاف اللبن
الذي هو الخالص كالفطرة للإسلام السائغ للشاربين ، ليس كالسكْر الذي يذهب
العقل ويستنزف المير ويجني على شاربه كثرة الصداع وضروب الإذايات ، ويعقب