فهرس الكتاب

الصفحة 2429 من 2809

فيح عذابه فأخرجه لذلك عذبًا ولم يخرجه أجاجًا .

يقول الله - جل من قائل: (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ(68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ

أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (69) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (70)

والحمد لله رب العالمين على تغليبه رحمته على غضبه ، ثم أسلكه في الأرض

ظهرها وبطنها فأكسبه من الأرض معاني خلقتها ، ثم أسلكه بعد في النبات على

اختلافه والنبات ، فهو ابن لأبيه وأمه ، فتقوى الله من فتح وفيح ، ثم أسلكه في

الحيوان أيضًا فأكسبه بذلك خلقة ما أسلكه فيه ، ثم أخرجه العليم القدير لبنًا خالصًا

سائغًا للشاربين من بين فرث ودم في هذه المسالك .

كذلك العسل قد أسلك الماء مسالكه التي تقدم ذكرها إلى النبات فحرست

النحل من كل الأزهار والثمرات ، ثم اتخذت من كهوف الجبال وشعفها وسقوفها

ومن الشجر ومما يعرش بنو آدم لها بيوتًا فكان لها مسالك في ذلك ، وقال ربك - جلَّ جلالُه -

لها ولمختلف الثمرات والأزهار: (فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا) فسلك

كل مسالكه التي أسلكه ، فأخرج الله - جل ذكره - من بطونها من ما ركبت النحل

منه وبين ما يخرج منها من ثقل شرابًا مختلفًا ألوانه لاختلاف مسالكه ، وما أخذ عنه

فيه شفاء للناس يختلط فيه أنواع النفع وتمتزج عصارة فراخ النحل ، وما قد يختلط

فيه من رجيعها ، لذلك قال - عز وجل - ما هنالك من عسل مصفى .

يقول - عز وجل -: وعلى ذلك (فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ) .

(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ(67) . ما هنالك بما هاهنا ، كذلك

الخمر قد أسلك الله الماء مسالكه التي تقدم ذكرها إلى الزرع والنخيل والأعناب

والثمرات يجعل عليه الماء وتخمر لتجتمع فيه أغزية كالتعفين له ، ويخرج بذلك عن

وجوده الأول إلى ما ليس به ، فيكون عن ذلك لشاربه ضد ما يكون من الماء على

علات مسالكه من ظهوره وخباءه به ، وعن العسل على علاته أيضًا من شفاء فيه

للناس ؛ أي: لجميع الناس بواسطة ما يضاف إليه لمقاربة ما بينه وبين الموجودات ،

يرد ما أضيف إليه بالقوة ، ويتوسط هو بين نفسه وبين ما أضيف إليه ، وبخلاف اللبن

الذي هو الخالص كالفطرة للإسلام السائغ للشاربين ، ليس كالسكْر الذي يذهب

العقل ويستنزف المير ويجني على شاربه كثرة الصداع وضروب الإذايات ، ويعقب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت