الخدر ويهتك الستر ويكشف السر ويخالع العذار في نبذ المروءة ، ذلك لأنه أركس
من كونه عن فتح وفيح إلى ما هو الخبال وخالص عمل الشيطان ، فهذه سبل هذه
الأربعة في موجود الحياة الدنيا ، وهي في الحياة الآخرة (أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ)
كيف يأسن ذلك الماء وهو من خالص رحمة الله وفي قرارة رضوانه ؟ .
الآسن: الآجن المتغير ، يقال: أسن الماء وتأسن هو ، بل كيف لا يصفى عسلها
ولم يسلك به مسالك ما هاهنا ولا اختلط بشمع ولا بأبعاض موتى النحل ولا
بمرضوخ فراخها ؟ وقد سلك مسالك الرحمة في وجود الكون واستقر في قرارة
الرضوان ، كذلك اللبن والخمر هذا مع ما لهم فيها من مغفرة الله ومضمون رضوانه
الأكبر كل ذلك أنها جارية حالها المسك الأذفر ، وحصباؤها الياقوت والجوهر ،
تجري في غير أخاديد ، تنبت سواحلها الحور العين بين قصب الزبرجد والعقيق ،
طوبى لهم وحسن مآب ، هذا مع ما لهم فيها من كل الثمرات (لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا
مَمْنُوعَةٍ (33) .
نظم بهذا قوله: (كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ(15) .
يقول - جل من قائل: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ) فكان مصيره إلى الجنة
التي فيها أنهار من ماء غير آسن إلى آخر الوصف (كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ) ،
واتبع هواه فكان مصيره إلى نار جهنم خَالِدا فيها أبدًا يسقى ماء حميمًا
فيقطع أمعاءه ، كما قال: (يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ(19) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ
وَالْجُلُودُ (20) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا
فِيهَا).