فورثها صدر هذه الأمة ، وهم الصحابة والتابعون ومن بعدهم من المسلمين عن
الروم ، ثم عمرها المسلمون بذلك خلف عن سلف إلى أن فسدت الأعمال منهم ،
وظهرت فيهم البدع ، وجريت القلوب خلفهم فيها الروم من لدن عام تسعة وثمانين
وأربعمائة إلى هلم جرًّا ، ثم إذا صلح آخر هذه الأمة - إن شاء الله - فتحها الله
عليهم وأورثهم إياها ، ثم كذلك ما صلحوا إلى وفاة عيسى ابن مريم - صلوات الله
وسلامه عليه وعلى من تبعه بإحسان - وبوفاته تكون وفاة المؤمنين معه ، ثم تخلف
المؤمنين فيها وفي غيرها غيرهم إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها وهو خير
الوارثين ، ففي هذا التقليب وتحقيق هذه الوراثة للصالحين واستخلافه الغير منهم
عليهم بلاغ لقوم عابدين ، وإعلام لهم بإثرتهم عنده ومكانتهم لديه ، وإعلام منه
لعباده أن القرآن أنزله بعلمه الغيب لا إله إلا هو .
قوله - جلَّ جلالُه -: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ ...(109) . أي: أعلمتكم وأسمعتكم (عَلَى سَوَاءٍ)
أي: إسماعًا عامًا كما قال: (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ
يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (25) . وانتظم هذا الخطاب بأول السورة قوله:
(اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ(1) مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ
مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (2) . المعنى إلى آخره ، وهذا المعنى
الذي هو الذكر مستصحب إلى آخر السورة .
أتبع ذلك ما هو منتظم به وموصل له قوله: (وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ ...(111) . يعني: الذكر
(فِتْنَةٌ لَكُمْ) ومن كان له فتنة فهو كفر ، وقوله: (وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ)
اشترك فيه المخلصون والمسلمون ، المستسلمون العاملون ، هؤلاء يمتعون به عبادة
ولذاذة وتقريبًا من الله - جل ذكره - وهؤلاء يمتعون به رزقًا وعيشًا إلى حين ، يعني:
الموت لكل نفس وإلى حين وفاة عيسى ابن مريم - عليه السَّلام - لحمله الأمة بعده ، يسري
على القرآن ليلًا فيرفع ، نعوذ بالله من درك الشفاء وسوء البلاء(قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا
هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى).
(وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ
الْكَافِرِينَ (68) .
(وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا(82) . هؤلاء هو لهم فتنة والمتاع