وموضع لزام هذا الخطاب قوله الحق: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ
وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (104) .
وقال في إعادة الخلقة ثانية (مِنهَا) يعني: الأرض (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا
نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (55) . كذلك لما خلقنا مما انبنت عليه دار
الدنيا من فيح وفتح أساع ذلك في أجواء الهواء من الأرض والأصول التي خلقنا
عنها ، كان ذلك لزامًا أن يعيدنا فيما خلقنا وعدًا بأنه ظاهرًا وباطنًا ، ولم يكن لأحد
أن يتخلص من النار التي صيرها عذابًا إلا برضاه ، ولا يدخل الجنة التي جعلها نعيمًا
وفوزًا وظفرًا بالمرغوب كله إلا برضاه ، فامتن على عباده .
وبتبيين سبيل مرضاته من سبل مساخطه فخلق على ذلك عالمه أرضه وسماه
وما بين ذلك ، وأرسل به رسله وكتبه ، فالجنة للمتقين التي دل عليها فيما هاهنا بفتح
رحمته وما خلق عن ذلك ، والنار للعاصين التي دل عليها فيما هاهنا بالفيح من
جهنم - أعاذنا الله برحمته - ثم في هذه وهذه موجود دار الآخرة من رؤية الله - عزَّ
جلاله - بما تبع ذلك من نعيم وجاه وإكرام في الجنة ، وفي جهنم البعد عن الله
الرَّحْمَن الرَّحِيم - عز جلاله - نعوذ بالله من بعده وما تبع ذلك من مقت وهون
وعذاب وحزي إلى غير ذلك.
قوله تعالى: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ
عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (17) . هذا منه تقرير للمتبوعين ليبين
كذب التابعين لهم (قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ ...(18)
وقرأها الحسن:(سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ
أَوْلِيَاءَ)بضم النون وفتح الخاء ، وكذلك روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من رواية معاذ -
رحمة الله عليه .
قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ
فِي الْأَسْوَاقِ ... (20) . انتظم هذا بقولهم:(مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ
وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ)ردا عليهم .
أتبع ذلك قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً) سبحانه
وله الحمد قرب هذا ووالاه ، وأبعد هذا ولعنه ، وأعطى هذا ومنع هذا ، وملك هذا