ثم قال جلَّ قوله: (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ)
واختلف العلماء في اسم الأنعام ، واسم البهيمة على ما يقع منها اسم البهيمة ، وذكر
-جلَّ جلالُه - الأنعام ؛ لأنها أكثر ما تؤكل ، وهي المقصودة هنا على الأغلب .
ثم استثنى - عز وجل - ما حظره علينا ، إما لذاته ، أو لمعنى عارض فيه بقوله جل قوله:
(إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ) .
ثم استثنى جلَّ ذكره من المباح بمفهوم الخطاب حالًا يكون من الأكل والصيد
بقوله جل قوله: (غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) واسم الصيد متناول
وحش الأرض وطير السماء وحيتان الماء ، ويجمع ذلك كله اسم البهيمة .
وقد استثنى جلَّ ذكره الخنزير من بهيمة الأنعام بقوله جلَّ قوله:(إِلَّا مَا يُتْلَى
عَلَيْكُمْ)وكان مما قد وعدنا به يتلوه علينا ، فهذه جملة فسرها جلَّ ذكره بمفهوم
الخطاب جميع ما في القرآن العزيز ، وحديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - من حظر وإباحة فيما
أبيح من بهيمة الأنعام .
ثُمَّ اتصف جل ذكره بما هو من صفة العزة والحكمة في قوله جل قوله:
(إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ) .
قوله عزَّ من قائل:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ
وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ . . . )إلى قوله جل قوله: (شَدِيدُ
الْعِقَابِ (2) . من أدل شيء على أنه يعلم الكائنات في الكون إنه لم ينهَ - عز وجل -
قط عن شيء إلا كان مفعولًا ؛ ذلك لأن أمره الشرع المقابل له بالنهي منفصل من
الأمر الذي هو الكون ، وقد قال جل قوله: (وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا) نهى
جلَّ ذكره أبانا آدم - عليه السَّلام - عن أكل الشجرة فواقع ذلك .
وكذلك الجملة من بنيه لكنه يعصم من يشاء بفضله ، ويخذل من يشاء بعدله
(وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ(52) .أي: في صحف الكاتبين وَكُلُّ صَغِيرٍ
وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (53) . أي: في أم الكتاب علم - جلَّ جلالُه - ، وأجرى في تقديره أنه
سيأتي بعد نزول القرآن من يستحل شعائره وينتهك حرماته ، ويستبح حرمه ويعطل
مناسكه ، ويؤذي قاصديه وحجاج بيته الحرام ويريق دماءهم .
ثم عطف جلَّ ذكره آخر الخطاب قوله جلّ قوله: (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا)