وكذلك قرأها الأعمش والزهري بكسر القاف وإسكان الطاء وتنوين الراء وهمزة
بعدها ، أي: انتهى حَرُّه ، ويكون أيضًا معنى قوله:(وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ
الْجِبَالُ)زائدًا إلى ما تقدم أن الساعة لا تأتي إلا على شرار الخلق .
وقد عاد أهل الأوثان إلى عبادتها ، وأهل الضلالات إلى ضلالاتهم ، وعادوا
من حيث بدؤوا ، ولم يبقَ على الأرض من يقول:"الله الله"فيقم الله جل ذكره
الساعة ، وتمور السماء مورًا ، وتسير الجبال سيرًا ، إلى غير ذلك من أهوالها .
قوله تعالى إثر قوله: (وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ(49) سَرَابِيلُهُمْ
مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (50) لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ
الْحِسَابِ). عذب الله الكافرين بعذاب جهنم - أعاذنا الله الرحيم
برحمته منها - كما كذبوا بها في الدنيا ، وكانت تغدوا وتروح عليهم بسموم فيحيها
من سعير وزمهرير فلم ينظروا ولم يفقهوا ، بل تعاموا وتغافلوا وتصاموا عن قبول
الهدى واتباع الحق وحرموا الجنة ، وكانت تغدو عليهم وتروح بفتحها ينزل الله
الماء من السماء برحمته ، وينبت لهم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ، ومن كل
الثمرات جنات معروشات وغير معروشات ، إلى غير ذلك من أنعم الله عليهم من
ظلالها وأكنافها ولبوسها ونسيمها في رواح وبكور ، فلم يؤمنوا ولم يتذكروا ذلك .
قوله - عز وجل -: (لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ ...(51) . إلى آخر السورة .
أعقب هذا كله قوله: (هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ ...(52) . أي: بما أصاب من كان
قبلهم (وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ) أي: بما في القرآن من الإعجاز ، وبما في
الشجرة الطيبة من دلائل الوحدانية والألوهية والربوبية ، ومقتضيات الأسماء
والصفات في الوجودين الوحي والعالم ، ودلائل النبوة والرسالة ، وما جاءت به ، وما
تفصلت إليه معاني الأسماء ، وتفرعت به الشجرة الطيبة من حق متصل بالحق المبين
-جلَّ جلالُه - (وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) أي: ليعبروا من ذلك كله من المطلوب
الأعلى ، فيعبروا من مقتضيات الأسماء والصفات إليها ، ثم من الأسماء والصفات
إلى المسمى الموصوف ، ومن الكلمة الطيبة إلى الشجرة الطيبة في الجنة التي