لم يبق منه فيما لديهم إلا نحو ما أحملت إليه التوراة بالرفع عنهم وما أثبت منها
لديهم بعد نسخها ، وهو قوله: (هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ(154)
وأن المحجوب منه عن قلوب أكثرهمِ فهم قوله:(أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي
مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ
أَجَلُهُمْ)واختلاف ما يبين هذا يطول ، وربما أفردنا له فصلًا إن
شاء الله ، والله المستعان .
قوله تعالى: (فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى(54) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (55)
آلاؤه: آثاره التي يذكر بها أفعاله وأحكامه التي تعرف به ، وهن له في سبيل الاعتبار
بمنزلة ظل الشخص له ، فكما أنه لا يكون ظل إلا لشخص ، كذلك لا يكون أثر إلا
لمؤثر ولا فعل إلا لفاعل .
أتبع ذلك قوله: (هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى(56) . يعني: محمدًا - صلى الله عليه وسلم -
فإذا كان منهم وقد أهلك الله من كذب أولئك ورد نصيحتهم فإنه يجب عن هذا
كالذي يجب عن من سواه من النذر .
نظم بذلك قوله: (أَزِفَتِ الْآزِفَةُ(57) . أي: قرب ما أنذركم به من
عذاب أو جزاء عاجل أو آجل (لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ(58) كما
قال: (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا)
أتبع ذلك قوله: (أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ(59) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (60) وَأَنْتُمْ
سَامِدُونَ (61) . السامد: الغافل الساهي في لعبه ولهوه ، والحديث الذي
ذكره هنا هو ما قصه من أول السورة ، وأعلم به من الوحي على معاني خطابه التي
أتى بها إلى قوله: (وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى(37) . ثم إلى آخر السورة ، ثم
القرآن من أوله إلى آخره .