فهرس الكتاب

الصفحة 2008 من 2809

(فصل)

ومعنى الخوف: رَدْعَة توجد بالقلب يدهش منها العقل ، وقد يعتري ذلك من

أجل قوة علم العبد لمجاري الحكم ، ومن أجل مطالعة العبد سطوات الرب - جل

ذكره - ونقمه ، فيتولد على القلب الخوف ، وهو الفرق خوفًا من الوعيد ، وبدأة

الخوف الوجل ، فإذا قوي صار خوفًا ، والفرق بين الخوف والرهبة: أن الخوف فزع

تخف له الأعضاء ، والرهبة: هول تثقل الأعضاء له ، وربما كان إنما سمي الرهبان

رهبانًا ؛ لأنهم ثقلت أعضاؤهم عن الهرب ، فحبوا أنفسهم في الصوامع .

أتبع ذلك قوله - جل ذكره: (وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ ...(6)

كقوله: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا) فالجهاد مأخوذ

من بلوغ جهد النفس وإعطائها المجهود في ذلك .

وأعلم الله - جلَّ جلالُه - أن درجات الإيمان لا تكون مجالًا للعبيد إلا بالمجاهدة ، وإنما

يجاهد من له قوة وبصيرة وعلم ومعرفة بقليل ما يبذله من نفسه إلى جنب عظيم ما

يطالبه ، فالدرجة الأولى من الإيمان والإسلام للمسلم المؤمن بمنزلة خلقه السمع

والبصر والفؤاد للعبد ، ثم كلفه بعد ذلك الإيمان به والتسليم له ، وهداه النجدين ،

وأوقفه على الجادين ، فمتى اختار الصعود إلى أعلى درجاته أجهد نفسه لينالها برحمة

ربه ، وإذا أجهدها حقت له المعونة بوعد ربه له بذلك ، ومتى اختار الحلول بمحال

الغافلين ولاه الله ما تولى ، وكاد بذلك في عمل المسلمين وعموم المؤمنين ، وإن كان

قد سبقت إليه من ربه سابقة في الأزل ، حماه من عدوه وأصلح باله ورده إليه .

قوله - جل ذكره: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ

وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (7) . من أحسن من الله حكمًا

لقوم يوقنون ، سبحانه وله الحمد ، يوفيهم أجرهم بأوفى مكاييلهم ، ويزن لهم بأرجح

موازينهم ، ويجري مجازاتهم على أرفع أعمالهم ، ويحبوهم بأكرم نياتهم ، أعمها

علمًا وأتمها مشاهدة وأخلصها إيقانًا ، وكذلك متى مرضوا أو تنافروا أو حبسهم عن

عبادته أو قصر بهم عن ذروة اجتهادهم بعذر يعلم صحته ، كتب لهم أحسن ما كانوا

يعملون قبل حلول ذلك العذر بهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت