(فصل)
ومعنى الخوف: رَدْعَة توجد بالقلب يدهش منها العقل ، وقد يعتري ذلك من
أجل قوة علم العبد لمجاري الحكم ، ومن أجل مطالعة العبد سطوات الرب - جل
ذكره - ونقمه ، فيتولد على القلب الخوف ، وهو الفرق خوفًا من الوعيد ، وبدأة
الخوف الوجل ، فإذا قوي صار خوفًا ، والفرق بين الخوف والرهبة: أن الخوف فزع
تخف له الأعضاء ، والرهبة: هول تثقل الأعضاء له ، وربما كان إنما سمي الرهبان
رهبانًا ؛ لأنهم ثقلت أعضاؤهم عن الهرب ، فحبوا أنفسهم في الصوامع .
أتبع ذلك قوله - جل ذكره: (وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ ...(6)
كقوله: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا) فالجهاد مأخوذ
من بلوغ جهد النفس وإعطائها المجهود في ذلك .
وأعلم الله - جلَّ جلالُه - أن درجات الإيمان لا تكون مجالًا للعبيد إلا بالمجاهدة ، وإنما
يجاهد من له قوة وبصيرة وعلم ومعرفة بقليل ما يبذله من نفسه إلى جنب عظيم ما
يطالبه ، فالدرجة الأولى من الإيمان والإسلام للمسلم المؤمن بمنزلة خلقه السمع
والبصر والفؤاد للعبد ، ثم كلفه بعد ذلك الإيمان به والتسليم له ، وهداه النجدين ،
وأوقفه على الجادين ، فمتى اختار الصعود إلى أعلى درجاته أجهد نفسه لينالها برحمة
ربه ، وإذا أجهدها حقت له المعونة بوعد ربه له بذلك ، ومتى اختار الحلول بمحال
الغافلين ولاه الله ما تولى ، وكاد بذلك في عمل المسلمين وعموم المؤمنين ، وإن كان
قد سبقت إليه من ربه سابقة في الأزل ، حماه من عدوه وأصلح باله ورده إليه .
قوله - جل ذكره: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ
وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (7) . من أحسن من الله حكمًا
لقوم يوقنون ، سبحانه وله الحمد ، يوفيهم أجرهم بأوفى مكاييلهم ، ويزن لهم بأرجح
موازينهم ، ويجري مجازاتهم على أرفع أعمالهم ، ويحبوهم بأكرم نياتهم ، أعمها
علمًا وأتمها مشاهدة وأخلصها إيقانًا ، وكذلك متى مرضوا أو تنافروا أو حبسهم عن
عبادته أو قصر بهم عن ذروة اجتهادهم بعذر يعلم صحته ، كتب لهم أحسن ما كانوا
يعملون قبل حلول ذلك العذر بهم .