من حيث العبد منبعث ذلك عن علمه به ، إنه كريم [مجمل] محسن ، رحمن رحيم ،
حنَّان منَّان ، قريب مجيب ودود ، وهو عفو كريم .
يقول الله - جلَّ جلالُه -:"أنا عند حسن ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء"وأحط درجة
الرجاء أن يكون قريبًا للخوف ؛ إذ الخوف بلا رجاء قنوط ، وأرفعه ما لحق بحسن
الظن في بعض مواطنه ، من ذلك قولهم: كن لما لا يرجو أرجى منك لما ترجو ، إن
موسى خرج يقتبس نارًا ، فنودي بالنبوة والرسالة والتكليم والتقريب والأمان .
(فصل)
ولمجاورة الرجاء للخوف صح في هذا الكلام وصف الخوف للقلب ، فيقال:
كن لما لا يخاف أخوف منك مما تخاف ، فقد مدح الله - جلَّ جلالُه - من هذه صفته بقوله:
(وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ(60)
وقال: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا) المعنى ،
فندبهم - جل ذكره - إلى الخوف في مقام الأمن وحذر من الأمن دون وعد بقوله:
(فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ(99) .
واعلم أن مدرجة الصعود إلى مرتبة الرجاء هي المعرفة بابتداء الله العبد بالنعم ،
قبل استحقاق منه لها من غير عمل عمله ولا قدم قدمه ، بل ذلك في قدمه بمنه القديم
وفضله العظيم ، كما أن مدرجة الصعود إلى صفة الخوف المعرفة بأنه الفعال لما
يريد لا راد لأمره ولا معقب لحكمه ؛ ولأن له الملك كله وله المثل الأعلى ، فكل
فعاله حسن جميل ، وجميع حكمه عدل ، هو عدل الأحكام ، لا يحكم على أحكامه ،
إنما القاضي على الأحكام أحكامه ، فهذا النوع من العلم قطع قلوب العارفين .
ألا ترى إلى حكمه في الدنيا المقتضي لقوله الحق:(فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا
الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ)فهذا من حكمه في الدنيا ، وكيف على هذا حكمه
في الآخرة ؟! .