وكذلك فتذكر بعد تقصي العبرة من مفهوم قوله:(وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً
نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا)فتذكر بذلك أنهار ما بها من لبن لم يتغير
طعمه ، ثم تطرق بالتذكار إلى تذكار أنهار من ماء غير آسن ، وأنهار من عسل
مصفى ، وأنهار من خمر لذة للشاربين .
وتذكر مفهوم قوله: (وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ) واعبر إليها من
قوله الحق: (فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ)
وتذكر الأكل منها هنالك ، واعبر إليه من قوله فيما هَاهُنَا: (وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ)
ثم كذلك أبدًا بعد التدبر والاعتبار استعمل التذكر ، ثُمَّ بعد التذكر
سؤال حال فيما هَاهُنَا يوجب اللحاق بما هنالك ، ويجيب إليه بالتصديق له
والشهادة بما شهد به لنفسه - جل ذكره - ولسواه ، واعمل في ذلك عمل من
يعلم ما يطلب ، ومَن الذي يسله وفِيمَ يرغبه ، علمنا الله وَإياك من علمه ، وأجزل
حظنا وحظك من معرفته ، وأحسن عوننا على ذكره وشكره وحسن عبادته .
قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ(23) .
المعنى إلى آخره ، عطف بواو في قوله:(وَلَقَدْ
أَرْسَلْنَا)إذ معنى ما تقدم تعداد آياته والتنبيه على براهينه ودلائله في السماوات
والأرض ، ولما أن كان إرساله الرسل منبهًا للعقول ومبينًا للآيات على التوحيد
والرسالة وما جاءت به ، وموقظًا للعقول التي أرادها الله بذلك ، عطف بالواو على ما
تقدم.
والمراد الأول بإرسال الرسل: الإعلام بإجماع جميعهم على ما انعقد عليه
جميع الموجودات في الأرضين والسماوات أنه الله إله واحد فاعبدوه واتقوه ، وأن