درجاتها ، وعلمنا بها وقدرتنا عليها وتدبيرنا إياها ، كيف نشأ في مضيق مسكنها
وعمايات مستقرها ، وهي ظلمات ثلاث ، حيث نبين التوحيد منا بتدبيرها في درجاتها
وتنقيلها إلى محالها منها وبجميع مواد الخلقة بعضها إلى بعض ، وسوق الرزق إليها
بحيث لا تبلغ صنع الأبوين ولا حفاية الأولياء .
ثم قال: (وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) أي: من لدن نفخ الروح
في ذلك المخلوق إلى وضعه (ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا) لتمام الآجال وانقراض آمادها ،
ثم قال: (ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ) فتستوي الخلقة وتستجمع الصفات والقوى الظاهرة
والباطنة (وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى) من قبل (وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ )
هذا تنبيه على إرجاع آخر الأمر على أوله ، وفيه تنبيه على معرفة المرء نفسه ومن لا
يعرف نفسه لا يعرف ربه ، هذا فضل معرفة النفس .
ثم قال وقوله الحق: (وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً) أرانا دلالة أخرى
وطريقًا ثانيًا من النظر على ما أراد إثباته كما قال: (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ(20)
وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21) .
يقول - عزَّ من قائل: (فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ) لما رويت بالماء
توجه إليها الكون ودخلها روح الخلقة ، فربت له وخامرها أمر الله ، فتشققت تهيؤًا
للمراد منها وبها ، ثم أظهر الله عنها نباتها فهبت عليها الرياح فاهتزت ، وأضاف ذلك
الفعل إلى الأرض؛ لأنه عنها ، وتلك رحمة رُحمنا بها ؛ لأن الحركة والفعل دليل
على الحياة ، يقول الله - جلَّ من قائل: (وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) أي:
مبهج فعيل بمعنى مُفّعِل .
ثم أخذ - جلَّ جلالُه - يعلم بمواقع الدلائل من المدلولات بقوله: (ذَلِكَ ...(6) . أي: هذا
الوجود يوجب الإيمان (بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ) أي: أن وجود هذا يدل دون مرية على
وجوده العلي ، كما يدل وجود الفعل على فاعله ، وهذا فعل ففاعله إذًا حق وجوده
لا محالة (وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) أي: أنه كما
اقتدر على هذا إنزال الماء من السماء ، وإخراج كل الثمرات به بواسطة ما سخره من
الأرض والسماء والمس والقمر والنجوم والرياح ، وما يكون مع ذلك من فيح
وفتح ، وهذه هي الدنيا ، فهو على إيجاد الآخرة وكل شيء علوًا وسفلًا قدير ،