تر إلى ربك في آيته يخبر عن نفسه - جل ذكره - بآيته لاستقرار العلم في معهود
النبوة والرسالة أن آياته لتحقيقها ما هي عليه ، أنه يخبر بالدليل عن المدلول عليه ،
وهذا لقوة عن اليقين ، فقال: (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ) معناه: ألم تر إلى آية ربك في
الشمس (كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ) حين غابت الشمس (وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا) لا
براح له ، والليل آية على آلهة باطلة ، لكنه - وله الحمد - جعل (الشَّمْسَ) على
الظل (دَلِيلًا) لولاها ما عرف الظلام ، وإنما تتبين الضلالة بالهداية
والظلام بالضياء ، وهكذا بضدها تتبين الأشياء ، وإنما هو مثل ضربه له على إدالة
الباطل على الحق في بعض الأحايين ونصر الحق على الباطل ، وأن ذلك يكون
بتدريج وأمر محكم .
لذلك قال ، وهو أعلم بما ينزل: (ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا(46)
يقول لما عم الظل الأقطار: (جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا) فهي تطلع
من مشرقها والأشخاص تقابلها فينبسط الظلال طولًا ، فلا تزال تطلع هي ،
ويقبض الله تلك الظلال إليه ، أي: تقدمها قليلًا قليلًا ، حتى ينتهي القبض فيها حين
استوائها ، ثم تدحض عن كبد السماء غاربة فيزيد الظلال قليلًا قليلًا ، وقد فات عن
انبساطها طولًا في المغرب إلى المشرق ، وذلك بسجود الشمس لخالقها - جل
ذكره - فيسجد الظلال لسجودها .
هي تقول: لا يحزنك ما تراه من غلو الباطل وخضوع الحق ، فإنما هي أحوال
نداولها بين الموجودات ، وللصابر صبره وللشاكر شكره ، وكما أن الشمس ساجدة
حال طلوعها إلى حين استوائها شكرًا لبارئها - عز وجل - والظلال ساجدة خضوعًا لخالقها
حال نقصها وقبضها عن طولها لطلوع الشمس في درجات ارتفاعها من الجو ، كما
هي قائمة حال استوائها ، وقد تقدم أن سجودها وقيامها وجوبها في طريقها على
مقادير السماوات .
.قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"إن الشيطان يقارنها حال استوائها وأن جهنم تسجر حينئذٍ."