وقال:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ
سَيِّئَاتِكُمْ)المعنى إلى آخره .
وقرأ ابن الزبير:"تبارك الذي نزل الفرقان على عباده"بالألف على الجمع .
قوله - جلَّ جلالُه -: (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ
شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ ... (2) . استحق المحامد بأسرها والثناء الحسن بأجمعه ،
لأنه لم يتخذ ولدًا ولم يكن ذلك في نعوت تعاليه ؛ ولأنه لم يكن له شريك في ملكه
ولا ظهير استعان به على ما خلقه ، سبحانه وله الحمد كما ينبغي لكريم وجهه وعز
جلاله وعلو شأنه (وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا) .
وهو الذي خلق كل شيء جملة وتفصيلًا ، فالجملة العالم كله بأسره كان في
علم خالقه موجودًا مصورًا قانتا له في غيبه ، كما أنه قانت حال شهوده ، يراه بارئه في
أزله ويسمعه ، كما الآن على ذلك قدره غييًا في أزله الذي لا أول له ، ثم أوجده يوم
أوجده على سواء ما قدره لم يستزد به علمًا خلا أنه الآن مشهود لنفسه وموجود ،
وقد كان قبل عدمًا وفقدًا ، وعلى المخلوق تختلف الأحوال لا على الخالق تعالى
عن ذلك ، فمن الواجب القضاء أيضًا بأن كل موجود تضمنته الجملة وشمله الوجود
الكلي كذلك أيضًا قانت عابد (كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ(41) .
فإذًا قد كان كل هناك - أعني: في الأزل - عاملًا على شاكلته من حيث التقدير
والعلم والشهود له بذلك كله بما هو الآن عامل (وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى
الْعَالَمِينَ (32) . كذلك خلقهم على علم بما هم عاملون ؛ لأنهم قد كانوا
في موجود علمه حال عدمهم بذلك عاملون شهادةً منه لهم وعلمًا بهم لا عملًا
منهم ولا حالًا لعدمهم ، ولما أخرجهم لما قد علمه منهم عملوا بذلك ، فكل إذا
يستذكره ما ذكره به في الأزل ويستعمله بما لم يزل يعلم أنه عامله .