وفائدة هذه المسألة إزالة الإشكال في سبيل القول بالإحالة في حدث العالم ،
وسبيل القول بالتجويز في قدمه فهو محدث ، لأنه لم يكن ثم كان ، وهو مربوب ،
لأنه مخلوق مدبر مفصل وموصل ، وهو قديم ، لكونه معلومًا لخالقه مشاهدًا لبارئه ،
فحدثه محدثه ، لأنه مستفتح الوجود ، فهو محدث لنفسه وقدمه ، لأنه كان في علم
خالقه معلومًا وعنده مذكورا ، فقدمه إذًا لغيره لا لنفسه ، ومن هَاهُنَا تشعب الخلاف ،
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"أعرفكم بالله أعرفكم بنفسه"وقد قيل: من لم يدل على
المعرفة بالله - جل ذكره - بصنعه لنفسه ، فلم يعرف الله إلا بالاسم لا بحقيقة
المعنى .
قال الله - جل ذكره - في الكلي: ( اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ) (وَخَلَقَ
كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (2) .
وقال في الجزئي: (قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ(17) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ
خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) . (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا
مَذْكُورًا (1) . أي: لم يكن مذكورًا في نفسه ولا لنفسه ، بل كان مذكورًا عند
بارئه ، فإذا كان مذكورًا لا لنفسه إلى آخر المعنى فجملة العالم موجودة عند الله -
جل ذكره - بالقوة ، أي: علمًا بها وقدرةً عليها ومريدًا لها كيف شاء وبِمَ ولِمَ ومتى
على الإجمال والتفصيل وتفصيل التفصيل إلى آخره .
ثم لما أوجدها - أعني: الجملة - صارت موجودة بالفعل على ما سبق منه بها
في الأزل ، لا زيادة فيها ولا نقصان منها ، وعلى الموجود تختلف الأحوال لا على
الموجد - عز وجل - فلأن كان موجودًا عند بارئه علما وقدرةً ومشيئةً كان مفطورًا على معرفة
خالقه لأنه فطره ؛ أي: أخرجه إلى وجوده عن حال عدمه ؛ ولأنه لم يكن موجودًا
لنفسه جهل أمره ونسي ما فطر عليه ، ولكونه الأول هو الآن إذا استذكره ذكر ، وإذا
فكر علم ، وكان كل ما علمه تذكيرًا وإلهامًا لما نسيه وغفل عنه مما هو مخبوء في
حقيقته (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ
شَيْءٍ قَدِيرٌ (9) . إلى قوله: (فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ