في السماوات ولا ملك وسَّط لفظة"شيء"ليكون لها وجه إلى عموم نفي الملك
للرزق قليله وكثيره ، ووجه إلى أنهم لا يستطيعون ذلك ؛ إذ لا ملك لهم فيما هنالك ،
فعرض بذكر الاستطاعة إلى هذا المعنى ، وقدم لفظ"الشيء"توسطًا بين المعنيين ،
وهذا من المطلع المذكور في القرآن العزيز .
ثم قال: (فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ ...(74) . أي: لا تجعلوا له مثلًا فإنه لا مثل له ؛ لهذا
قال عز من قائل: (إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) وقد كانوا نحتوا
معبوداتهم الأوثان والأصنام على صور الآدميين ؛ لذلك قال لهم إبراهيم اللَّه: (مَا
هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52) .
قوله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا ...(75) . إلى آخر المثلين ، لما نهاهم - جل
ذكره وتعالى علاؤه وجده - عن أن يضربوا له الأمثال من أجل جهلهم أخذ هو جل
وتعالى يضرب لهم الأمثال حيث تقف عليه علومهم ؛ لأنه هو يعلم وهم لا يعلمون ،
فضرب مثلًا بعبد مملوك (لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ) وهو الكافر الذي لا يقدر على
العمل بطاعة الله ، وهو فقير من الإيمان عديم من جميع ضروب الإحسان ، ويصلح
أن يكون مثلًا للمعبود من دون الله جل ذكره ، ولعبد رزقه الله (رِزْقًا حَسَنًا) يعني:
الهدى والإيمان ، والقوة على طاعة اللَّه ، والعلم واليقين والرزق والحلال(فَهُوَ يُنْفِقُ
مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا)ويصلح أن يكون مثلًا للإله الحق - جلَّ جلالُه - ولا مثل له كما ضرب لنوره
مثلًا بالمصباح ، ثم قال: (هَلْ يَسْتَوُونَ) فجاء بلفظ الجمع وإنما
ضرب مثلًا بعبدين يريد وهو أعلم المؤمنين والكافرين ، ويمكن أن يكون المراد
بذلك: الآلهة المتخذة من دون الله ، وما سموها به من أسماء ووصفوها ، هل
يستوون مع من يهدي ويخلق ويرزق ويقدم ويؤخر ؟ .
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:" [إِنَّ يَمِينَ اللَّهِ مَلْأَى لاَ يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ] اللَّيْلَ"
وَالنَّهَارَ"وفي"
أخرى:" [لا تَغِيضُهَا] ".