الجنة غيب على ما يبدي اللَّه عنها بفتح رحمته ، هذا فعل الله - جل ذكره - وأمَّا ما
عبر عنه رب العالمين من استخراجنا إياها باكتساب منا لذلك بقوله: (أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ
الَّتِي تُورُونَ (71) . وبقوله: (فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ(80) . فالزناد يقدح
فتخرج النار عنه ظاهرة بعد غيبها ، وكذلك ما هو معنى الجنة ، نكتسبها باكتسابنا
بالغراس كله والحرث والزراعة وأنواع العاجلات كلها تقوم ، ولزمنا لإظهار ما هو
آية على موجدات الجنان مقام قدح بالزناد والاقتباس لبعضها من بعض ، عبر عن
ذلك بقوله: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ(63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64)
تفطن - وفقك الله - لفهم معاني كتاب ربك عز جلاله .
أتبع ذلك دليلًا آخر ضرب للمراد به مثلًا حقًّا ، قوله - عز من قائل: (أَوَلَيْسَ
الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ ... (81) . نظم معنى
هذا المثل بما تقدم في صدر القصة قوله: (يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ)
(أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ)
والإبداع في معهود العوائد أعسر من الاقتداء ، وخلق السماوات والأرض
أكبر من خلق الناس ، فخالق السماوات والأرض كيف يعسر عليه خلق إنسان
وأناسي كثير ، فقد تحصلت معاني اليسر في الإعادة بكل وجه وهو ما تقدم ذكره من
موجود الحرارة في جنة الحياة والإحياء ، وللمعلوم من أن خلق السماوات
والأرض وما بين ذلك أكبر من خلق الناس ، والناس شعبة يسيرة مما بينهما
والمعهود من عسر الإبداع بالإضافة إلى الاقتداء .
ثم نبه على دليل غير ما تقدم وهو المشاهدة بقوله: (بَلَى) لا بد ولا محالة ، ثم