فلموجود الطبع على القلوب عميت منهم البصائر وصمَّت الآذان وبكمت
الألسن ، فهم يشاهدون الآيات ويعاينون البينات ، فيمرون عليها وهم عنها معرضون ،
وربما التفتوا إليها من حال إعراضهم ، ويذكروها من غيابات حجب غفلاتهم ،
فيتمثل لهم في صورة الفتنة ، فلهوا بها وأنسوا بمشاهدتها دون ذكر شهيدها جلَّ
ذكره فاتخدوها هزوًا ولعبًا عن حقيقة حق يهديهم ، وربما تأولها على ما ليست به ،
وقولوها ما لم يقل به في شهادتها لخالقها - عز وجل - ، وربما ألحدوا بها إلى أنها من
المعهود المتعارف كما قال - جلَّ قوله - في بعضهم: (وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ
سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ (44) .
وقال أيضًا - جلَّ قوله - في آخرين: (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا
فِيهِ يَعْرُجُونَ (14) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (15)
فحينئذٍ يذرهم في طغيانهم يعمهون ، وفي جهالتهم يترددون حتى يأخذهم على
أقبح ما كانوا به عاملين ، نسأل الله العفو الغفور معافاته ومغفرته .
(وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ(8)
إلى قوله: (وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ) . أخبر - جل ثناؤه -
أنه لا ينزل الملائكة من السماء إلا بالحق ؛ أي: بقضاء ، والأمر من موت أو قيام
السَّاعة أو مجيء الله جل ذكره للعرض الأكثر ، أو ما يكون من معنى الانقراض لهذه
الدار ، وكشف الدار الآخرة .
يقول الله جلَّ ذكره: (يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ
حِجْرًا مَحْجُورًا (22) . أي: منعًا ممنوعًا وسدًّا مسدودًا ، أو نحو هذا بمعنى
ألا إمالة .
ثم قال - عز وجل -: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ(9)