واعلم - وفقنا الله وإياك - أن هذا حق وهذا حق ، لكنه متى جازى على
الذنوب والكفر ورد الرسل خير ما بأُولَئِكَ على القدر الذي شاءه ، وإذا كان
الحكم علم وضع الدنيا على ما وضعها عليه ، فإن الدنيا جنة الكافر ليتم مراده فيها ،
كما قال جل قوله: (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا(16) لِنَفْتِنَهُمْ
فِيهِ). [متى كان الحكم ..] من جهة النظر من عبده والأخذ له
بالأولى فالتخفيف عن المؤمنين من أثقال الدنيا وأوزارها لذنوب توجب ترك
التوقعة عليهم منها ، والله عليم حكيم .
صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هي جنة الكافر؛ إذ كونه في هذه الدنيا محجوب عن
النار وما فيها من ضروب العذاب وأنواع الأنكال ، وهي أيضًا سجن المؤمن ؛ لأنه
فيها محبوس عن الجنة والرجوع إلى ربه - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه .
قوله - جلَّ جلالُه -: (الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا ...(92) . المعنى هو
موضع الإقامة ، يقول: كأنهم لم يكن لهم فيها بقاء ، بل ذهب بهم وما كانوا فيه من
بقاء وسكن وأموال وأولاد وغير ذلك ، ثم قال وقوله الحق:(الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا
كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ).
يقول - عز وجل -: ( خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ ) الذين كانوا في الدنيا ،
وتبين فصل بينهم فيما هنالك وخسروا أيضًا ملكهم الذي كان قد أوجد الله لهم في
الجنة ورثه المؤمنون الذين استجابوا لله ورسوله .
(أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ(10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11)
كما ورث أيضًا الكفار والمكذبون لله والرسل مجال المؤمنين
في النار نعوذ بالله من ذلك .